...
IMG 20260713 WA0006

 

الكاتب: خنساء محمد 

 

في كل يومٍ أنتظر الليل كي يأتي، فيمنحني عذرًا لأنام بقربه. وأحيانًا يطلب مني أن أحكي له قصة، فأُلبي رغبته، وأحيانًا أخرى أجعله هو من يقص عليَّ الحكايات، بينما أُمرِّر يدي بين خصلات شعره الناعمة، وأتحسس وجهه البريء الذي لا يعرف سوى الحب، فيما تطوِّق يداه عنقي بحبٍّ لا ينتهي.

 

يظنون أنه هو من يتلهف لينام في حضني، ولا يعلمون أنني أنا من أُسابق الزمن لأرتمي في حضنه، وأستريح من عناء يومٍ طويل. وحين يفرغ من عالمه الصغير، ويعود إليَّ، أشعر أن الدنيا بأكملها قد عادت إلى مكانها.

 

وبعد كثيرٍ من القصص، والأخذ والرد، ونحن نتبادل الحديث، ممسكةً بيده التي تغمرني بالأمان والطمأنينة، أجدني أغطُّ في نومٍ عميق، وقد تركته، ولا أعلم متى أغمض عينيه، لكنني متأكدة أنه لم ينم إلا بعد أن اطمأن عليَّ، وقبَّل يدي ورأسي.

 

إنه صغيري، طفلي، جنتي على الأرض، ومأمني الذي يحتويني، وأول أفراحي، وفلذة كبدي، وابني الذي أحسب الساعات والأيام حتى يكبر، لا لأتوارى خلفه، بل لأختبئ من قسوة العالم بين ذراعيه.

 

فالحب ليس حكرًا على العشاق، فهناك قلوبٌ خُلقت لتكون أوطانًا قبل أن تكون علاقات. وصغيري هو وطني الأول، وملجئي الأخير، وطمأنينتي التي لا تشبهها طمأنينة.

 

كلما ضاقت بي الحياة، اتسع حضنه الصغير لي. وكلما أثقل العالم روحي، خفَّ كل شيء حين تتشابك أصابعه بأصابعي. قد يظن الناس أنني أحميه من قسوة الأيام، لكن الحقيقة أنه هو من يحميني منها، دون أن يدري.

 

سيكبر يومًا، وستكبر معه يداه اللتان تحتضنان عنقي الآن، أما أنا، فسأظل أبحث في حضنه عن ذلك الأمان الذي لم أجده في مكانٍ سواه.

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *