الكاتب أنور الهاملي
عندما بدأت السماء تسحب خيوط عباءتها، والشمس ترسل أشعتها لتلون الأرض الساكنة بحركتها، والعصافير تغني أشجانها، والأشجار ترقص احتفالًا بالضيفة الصغيرة التي ستعكس فكرة، وترسم دربًا، وتلون الحياة بإنجازاتها المليئة بالشجاعة، والإصرار، والتحدي، والنهوض بعد الانكسار، لتسجل في صفحات تعز الأبية سجلًا جديدًا من القوة الناعمة؛ في مدينة التربة تحديدًا وُلدت الأستاذة والمعلمة سحر عبد العزيز مرجان.
قالت زينب: يا أبي، إن قصة اليوم شيقة، سوف أحضر القهوة.
أجاب الأب: نعم، أحضريها.
وبعد أن أحضرت القهوة، شرب الأب أول رشفة، بينما كانت زينب وأخواتها يراقبن شفتيه بترقب، ينتظرن ما سينطق به.
قال الأب: لقد درست بجدارة رغم محيطها، وحصلت على ألقاب ومراكز، ولم يكن لها منافس، لا من الذكور، ولا استطاعت الإناث التغلب عليها. فالشيء الوحيد الذي استطاع الناس أخذه عنها هو أخبارها وأخلاقها، وذكرى طيبة، وهذا أمر طبيعي.
وفي جميع تحركاتها كانت هناك أعين تراقبها؛ فمنهم من أراد أن يطيح بها، ومنهم من أراد أن يكون مثلها. ورغم جمالها النادر، وذكائها الخارق، إلا أنها لم تكن متكبرة، ولو تكبرت لما لامها أحد، لكن التواضع كان إرثًا فيها، كما كان الكبرياء.
قالت هيفاء، معترضة: الجميلات دائمًا كسولات.
فضحك الأب، ثم أكمل مسايرًا اعتراضها:
نعم، قد يُقال إن الجميلات كسولات، لكن سحر لم تكن كسولة فيما يخص النجاح، بل كانت مثابرة ومجتهدة، ولم تقصر يومًا في واجبها. أما في المنزل، فقد كانت الأسرة جميعها تحبها وتدللها، ولذلك كانت كسولة في شؤون البيت.
سألت زينب: وماذا حصل لها بعد أن أكملت الثانوية؟ هل بقيت في المنزل كبقية الفتيات في حارتها؟
قال الأب: أبدًا، بل شقت الطريق لها ولأعدائها، ودخلت الجامعة.
تعجبت زينب، وقالت: كيف شقت الطريق لها ولأعدائها؟
أجاب الأب: كان لها جار يبث السموم باسم الدين، وبما يملكه من سلطة اجتماعية، وكان يحرض الناس على فكرتها، ويزعم أن البنت لا يمكن أن تدرس في الجامعة بسبب الاختلاط، وهو يعلم أن اختلاط الجامعات في اليمن لا يؤثر كما يدعي، لكنه كان يخاف منها، ويخشى أن تؤثر عليه وتكشف أفعاله القذرة. ولم يستطع أن يوقفها أو يشوش على عقل أهلها؛ لأنهم كانوا واثقين بتربيتهم وإنتاجهم، فأرسل بناته كي يكن مثلها، ولكن يختلف من يزرع الوردة عمن يزرع النبتة الخبيثة.
وبالرغم من الصعوبات، درست وتخرجت لتكون معلمة للغة العصر، وتُصيب اللغة من آدابها، وهي اليوم معلمة للغة الإنجليزية. وفي مسيرتها التعليمية لم تكن تلقن حرفًا أو تشرح قاعدة فحسب، بل كانت تبث الأمل رغم الحرب، وتعلّم رغم فقر الوزارة في توفير الأدوات التعليمية، وتطبق العدل الذي حُرم منه كثير من الطلاب اليمنيين بسبب الرشوة، والقرابة، والوساطة.
ملاحظة:
أعترف أن نصوصي ليست جميلة بالقدر الذي يكفي لكتابة هذه القصة بأفضل صورة.
وثانيًا، لم أكتب عنها لأنها أمي ومعلمتي، بل لأنها قصة تستحق أن تُكتب.
![]()
