...
IMG 20260818 WA0004

 

الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

الرسالة التي ظهرت على شاشة هاتفه قبل أن تبدأ الحكاية

 

إذا وجدت هذه الرسالة فلا تبحث عن المدينة

 

لأنك عندما تجدها ستكتشف أنها كانت تبحث عنك منذ زمن

 

وإذا رأيت نفسك واقفًا أمام بوابتها فلا تدخل

 

لأن أول شخص ستقابله هناك سيكون أنت

 

ولكن لا تثق به

 

استيقظ يونس في الثالثة واثنتين وأربعين دقيقة بعد منتصف الليل

 

لم يكن هناك شيء غريب في الغرفة

 

كل شيء كان في مكانه

 

السرير

 

المكتب

 

النافذة

 

الهاتف

 

حتى صوت المروحة كان يدور بنفس الإيقاع المعتاد

 

لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا

 

هاتفه كان مفتوحًا على رسالة لم يكتبها أحد

 

ظل يونس ينظر إليها عدة ثوان

 

ثم ضحك

 

قال لنفسه إن الهاتف ربما تعرض لخلل

 

أغلق الرسالة

 

ثم عاد ليفتحها

 

كانت موجودة

 

نفس الكلمات

 

نفس الترتيب

 

نفس التحذير

 

وأسفل الرسالة ظهر سطر جديد

 

لا تحاول تذكر ما لم يحدث بعد

 

تغير وجه يونس

 

لأنه لم يفهم معنى الجملة

 

لكنه شعر بشيء غريب جدًا

 

إحساس بأن الرسالة لم تصل إلى هاتفه

 

بل وصلت إليه هو

 

كان يونس في أواخر العشرينيات

 

يعمل مهندسًا في مجال الأنظمة الذكية

 

وكان شغوفًا بالأشياء التي تقع بين العلم والخيال

 

كان يحب قراءة النظريات المتعلقة بالزمن

 

والأبعاد الموازية

 

وإمكانية وجود أماكن لا يمكن للعين البشرية رؤيتها

 

لكنه لم يكن يؤمن بالخرافات

 

وكان دائمًا يقول لأصدقائه إن كل شيء غامض اليوم

 

سيصبح له تفسير علمي غدًا

 

حتى ذلك الصباح

 

استيقظ يونس

 

وذهب إلى عمله

 

لكن أثناء الطريق لاحظ شيئًا جعله يتوقف

 

كانت هناك لوحة إعلانية ضخمة على جانب الطريق

 

مكتوب عليها اسم مدينة

 

مدينة أوريانا

 

ظل يونس ينظر إليها

 

لم يسمع بهذا الاسم من قبل

 

الأغرب أن أسفل الاسم كانت هناك صورة لمدينة مذهلة

 

مبانٍ زجاجية ترتفع إلى السماء

 

جسور معلقة في الهواء

 

قطارات تتحرك دون قضبان

 

وأضواء زرقاء تسير بين الأبراج كأنها أنهار من نور

 

اقترب من اللوحة

 

قرأ العبارة المكتوبة أسفلها

 

أوريانا

 

حين يصبح المستقبل ذكرى

 

أخرج هاتفه

 

فتح الإنترنت

 

بحث عن المدينة

 

لا نتائج

 

بحث مرة أخرى

 

لا شيء

 

فتح الخرائط

 

لم يجدها

 

سأل أحد المارة

 

هل تعرف مدينة أوريانا

 

نظر الرجل إليه باستغراب

 

وقال

 

مفيش مدينة بالاسم ده

 

ابتعد يونس

 

وهو يشعر لأول مرة أن الأمر ليس مجرد إعلان غريب

 

وصل إلى عمله

 

وكانت هناك مفاجأة أخرى

 

وجد ظرفًا أبيض فوق مكتبه

 

لا اسم عليه

 

ولا عنوان

 

فتحه

 

كان بداخله مفتاح معدني صغير

 

وغرفة ذاكرة صغيرة

 

وتحتها ورقة

 

أنت الوحيد الذي يستطيع الوصول إليها

 

وفي أسفل الورقة

 

ثلاث كلمات

 

لا تثق بي

 

ظل يونس يحدق فيها

 

ثم سمع صوتًا خلفه

 

وصلت أخيرًا

 

استدار

 

كانت فتاة تقف عند الباب

 

لم يرها من قبل

 

كانت في أواخر العشرينيات

 

ترتدي ملابس بسيطة

 

وشعرها أسود طويل

 

وفي يدها جهاز صغير يشبه جهاز التحكم

 

قالت

 

أنا ليان

 

قال يونس

 

إنتي مين

 

قالت

 

الشخص الوحيد اللي كان المفروض يقابلك قبل ما تلاقي الرسالة

 

قال

 

إنتي عارفة الرسالة

 

قالت

 

أنا اللي خليتها توصلك

 

اقترب منها

 

وقال

 

إيه أوريانا

 

سكتت

 

ثم قالت

 

أنت سمعت عنها قبل كده

 

قال

 

لا

 

قالت

 

لأنها لسه ما اتوجدتش

 

تجمد يونس

 

قال

 

يعني إيه

 

أخرجت الجهاز

 

وضغطت زرًا

 

فانفتح أمامهما شيء لم يكن موجودًا قبل لحظات

 

لم يكن بابًا

 

ولا شاشة

 

كان أشبه بتمزق في الهواء

 

ظهر خلفه ضوء أزرق شديد

 

وتكشفت مدينة كاملة

 

مدينة لا تشبه أي مدينة عرفها يونس

 

أبراج هائلة

 

سماء مضيئة

 

طرق بلا سيارات

 

وأجسام تشبه المركبات تتحرك في الهواء

 

قالت ليان

 

دي أوريانا

 

اقترب يونس

 

وقال

 

ده مستحيل

 

قالت

 

العلم لسه ما وصلش لها

 

ثم نظرت إليه

 

وقالت

 

لكن المدينة وصلت لنا

 

دخل يونس معها

 

وفي اللحظة التي عبر فيها الفتحة

 

اختفى المكتب

 

واختفى المبنى

 

واختفت المدينة التي يعرفها

 

وجد نفسه واقفًا في شارع واسع

 

الهواء نقي بشكل غير طبيعي

 

والسماء كانت تحمل لونًا بنفسجيًا خفيفًا

 

وفوقهما

 

كان هناك قمرين

 

قمر أبيض

 

وقمر أزرق

 

قال يونس

 

إحنا فين

 

قالت ليان

 

في أوريانا

 

قال

 

إزاي

 

قالت

 

دي مش مدينة في مكان تاني

 

دي مدينة في زمن تاني

 

نظر إليها

 

فأكملت

 

أوريانا موجودة بعد مئات السنين من الزمن اللي أنت تعرفه

 

لكن فيه مشكلة

 

قال

 

إيه

 

قالت

 

المدينة بدأت تختفي

 

كل يوم جزء منها بيختفي

 

وكل مرة جزء يختفي

 

بيظهر مكانه في زمننا

 

بدأ يونس يفهم

 

قال

 

يعني اللوحات

 

قالت

 

كانت أماكن من المدينة بتظهر عندكم

 

قال

 

ليه

 

قالت

 

لأن حاجز الزمن بيتكسر

 

ثم أمسكت ذراعه

 

وقالت

 

ولما الحاجز بدأ يتكسر

 

ظهر شيء أسوأ

 

سأل

 

إيه

 

قالت

 

الناس

 

أصبح بعض سكان أوريانا يظهرون في زمننا

 

لكنهم لا يستطيعون العودة

 

وكانوا يبحثون عن شخص واحد

 

قال يونس

 

مين

 

نظرت إليه

 

وقالت

 

أنت

 

تراجع

 

وقال

 

ليه أنا

 

قالت

 

لأنك ولدت في زمننا

 

لكن أصلك مش من هنا

 

صمت

 

قال

 

إنتي بتقولي إيه

 

أخرجت صورة قديمة

 

كانت الصورة لرجل يقف أمام مبنى غريب

 

وفي يده طفل صغير

 

رفع يونس عينيه

 

ثم نظر إلى الصورة

 

كان الرجل يشبهه

 

تمامًا

 

والطفل

 

كان هو

 

قال

 

دي صورة مين

 

قالت

 

أبوك

 

قال

 

أبويا مات وأنا صغير

 

قالت

 

أبوك لم يمت

 

ظل يونس صامتًا

 

ثم قالت

 

هو عالق هنا

 

في أوريانا

 

ومنذ سنوات وهو يحاول إرجاعك

 

لكن كل محاولة كانت تؤدي إلى شيء واحد

 

أن جزءًا من المستقبل ينهار

 

قال

 

فينه

 

لم تجب

 

فجأة

 

انطلقت صفارات قوية في المدينة

 

تغير لون السماء

 

بدأت الأبراج تهتز

 

وظهرت شقوق مضيئة في الهواء

 

صرخت ليان

 

لازم نتحرك

 

ركضا وسط الشوارع

 

كانت المدينة تتغير أمام أعينهما

 

مبنى يختفي

 

ثم يظهر مكانه شارع آخر

 

قطار يمر في الهواء

 

ثم يتوقف فجأة ويختفي

 

أصوات أشخاص تظهر ثم تختفي

 

وكأن المدينة نفسها لا تستطيع تحديد أي زمن تنتمي إليه

 

وصلا إلى مبنى ضخم في وسط المدينة

 

كانت أمامه بوابة هائلة

 

وعليها نفس الرمز الموجود على المفتاح الذي وجده يونس

 

وضع المفتاح

 

انفتحت البوابة

 

دخل الاثنان

 

وفي الداخل

 

كان هناك آلاف الشاشات

 

كل شاشة تعرض حياة مختلفة

 

في واحدة

 

كان يونس يعيش حياة عادية

 

في أخرى

 

كان يونس عالمًا مشهورًا

 

في أخرى

 

كان متزوجًا من ليان

 

وفي أخرى

 

كان ميتًا

 

وفي شاشة أخيرة

 

كان يونس يقف أمام المدينة

 

والمدينة تحترق

 

قال

 

إيه ده

 

قالت ليان

 

كل الاحتمالات

 

قال

 

ليه أنا موجود في كل الاحتمالات

 

قالت

 

لأنك نقطة التقاء الزمن

 

أحد الشاشات انطفأ

 

ثم ظهرت عليه جملة

 

لقد وصل

 

التفت يونس

 

سمع خطوات

 

رجل يخرج من الظلام

 

كان يرتدي معطفًا طويلًا

 

شعره أبيض

 

وجهه مرهق

 

لكن عينيه

 

كانتا مألوفتين

 

قال الرجل

 

يونس

 

تجمد

 

قال

 

أبي

 

اقترب الرجل

 

وقال

 

كنت عارف إنك هتوصل

 

قال يونس

 

إنت عايش

 

قال

 

كنت

 

ثم نظر إلى ليان

 

وقال

 

هو مش عارف الحقيقة كلها

 

قالت ليان

 

قولها له

 

اقترب الرجل

 

وقال

 

أوريانا لم تكن مدينة مستقبلية

 

كانت تجربة

 

تجربة لصنع مكان يستطيع الإنسان فيه الانتقال بين الأزمنة

 

لكن التجربة نجحت أكثر مما توقعوا

 

بدأت المدينة تتعلم

 

تتذكر

 

وتختار

 

سأل يونس

 

يعني إيه تختار

 

قال

 

المدينة أصبحت واعية

 

ثم أضاف

 

ولما أدركت إن وجودها مرتبط بوجودك

 

قررت إنها تمنعك من العودة

 

فجأة

 

أغلقت جميع الأبواب

 

وانطفأت الأنوار

 

ثم ظهر صوت من كل الشاشات

 

صوت يشبه صوت يونس

 

قال

 

أخيرًا عدت

 

صرخت ليان

 

لا تسمعه

 

قال يونس

 

مين ده

 

قالت

 

المدينة

 

بدأت الشاشات تعرض وجه يونس

 

لكن كل وجه كان مختلفًا

 

نسخة منه

 

من زمن مختلف

 

نسخة أكبر

 

نسخة أصغر

 

نسخة عجوز

 

نسخة بملامح غريبة

 

ثم ظهر وجه واحد

 

يشبه يونس تمامًا

 

لكن عينيه كانتا سوداويين

 

قال

 

أنا النسخة التي بقيت هنا

 

قال يونس

 

إنت مين

 

قال

 

أنا أنت

 

بعد أن فشلت في العودة

 

اقتربت ليان من يونس

 

وقالت

 

لازم نخرج

 

لكن الرجل العجوز أمسك بيده

 

وقال

 

لو خرجت

 

الزمنين هينهاروا

 

قال يونس

 

ولو فضلت

 

قال

 

أوريانا هتعيش

 

نظر يونس إلى ليان

 

كانت تبكي

 

قالت

 

مش هسيبك

 

قال

 

لو فضلت هنا

 

هتتدمر حياتك

 

قالت

 

حياتي بدأت لما قابلتك

 

ثم أمسكت يده

 

وقالت

 

وأنا مش هسيبك

 

بدأت المدينة تهتز

 

وانفتح شق هائل في السماء

 

كان يمكن رؤية العالم الآخر من خلاله

 

المباني

 

الشوارع

 

الناس

 

كل شيء

 

قال الأب

 

فيه حل واحد

 

لازم واحد منكم يبقى هنا

 

والثاني يرجع

 

نظر يونس إلى ليان

 

قالت

 

لا

 

قال

 

ليان

 

لا

 

قال

 

اسمعيني

 

أنا مش هخليكي تضيعي هنا

 

قالت

 

وأنا مش هخليك تروح لوحدك

 

ابتسم

 

ثم أمسك يدها

 

وقال

 

إذن نكسر القاعدة

 

نظر الأب إليه

 

وقال

 

إنت بتفكر في إيه

 

قال

 

لو المدينة اتبنت على فكرة إن الزمن لازم يختار واحد

 

إحنا هنخليها تختار نفسها

 

اقترب من الجهاز الرئيسي

 

وضع يده عليه

 

بدأت الشاشات تشتعل

 

كل الاحتمالات ظهرت أمامه

 

ثم ظهرت رسالة

 

حدد المصير

 

قال يونس

 

لا

 

ثم كتب

 

لا مصير واحد

 

فجأة

 

انفجرت الأضواء

 

بدأت المدينة تنقسم إلى آلاف النسخ

 

نسخة في الماضي

 

ونسخة في المستقبل

 

ونسخة في الحاضر

 

وأصبح كل شيء حولهم يتحرك بسرعة هائلة

 

صرخ الأب

 

ارجع

 

لكن يونس لم يتحرك

 

أمسك بيد ليان

 

وقال

 

لو الزمن عايز يفرقنا

 

نخليه يتعلم إن الحب مش نقطة زمنية

 

الحب اختيار

 

ثم ضغط الزر

 

وانفجر الضوء

 

استيقظ يونس على سريره

 

فتح عينيه

 

كانت الساعة الثالثة واثنتين وأربعين دقيقة

 

نفس الوقت

 

نفس الغرفة

 

نفس الهاتف

 

جلس بسرعة

 

نظر إلى الشاشة

 

لم يجد أي رسالة

 

تنفس الصعداء

 

ثم ضحك

 

وقال

 

كان حلم

 

لكن عندما نهض

 

وجد شيئًا على المكتب

 

المفتاح المعدني

 

نفس المفتاح

 

اقترب منه

 

ثم سمع صوتًا خلفه

 

يونس

 

استدار

 

كانت ليان تقف أمامه

 

بكت عيناها

 

وقال

 

إنتي هنا

 

ابتسمت

 

وقالت

 

أيوه

 

نظر حوله

 

قال

 

إحنا رجعنا

 

قالت

 

مش بالضبط

 

تجمد

 

قال

 

يعني إيه

 

أشارت إلى النافذة

 

فتحها

 

نظر إلى الشارع

 

كل شيء كان طبيعيًا

 

لكن في السماء

 

كان هناك قمران

 

واحد أبيض

 

وواحد أزرق

 

نظر إليها

 

ثم قالت

 

إحنا ما رجعناش لعالمنا

 

إحنا جبنا عالمنا معانا

 

وفجأة

 

ظهر على هاتف يونس إشعار جديد

 

فتح الرسالة

 

كانت جملة واحدة

 

لقد نجحتم في فتح الباب

 

لكنكم لم تكتشفوا بعد

 

من الذي كان يقف خلفه

 

رفع يونس رأسه ببطء

 

وفي نهاية الغرفة

 

كان هناك شخص ثالث يقف في الظلام

 

شخص يشبه يونس تمامًا

 

ابتسم

 

وقال

 

أنا النسخة التي لم تختارها

 

ثم انطفأت الأنوار

 

ولم يسمع يونس بعد ذلك

 

إلا صوت ليان وهي تقول

 

لا تفتح الباب

 

لأننا هذه المرة

 

لسنا وحدنا

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *