...
IMG 20260818 WA0001

 

 الكاتبة: عاليا عجيزة

 

 

كان الصمت في هذه البقعة من العالم أشبه بثقل مادي يضغط على الأنفاس. وقف طارق عند قاعدة الجرف الصخري، يمسك بيده شعلة خشبية تتراقص ألسنة لهبها البرتقالية وسط ظلام الليل المطبق. كانت الأمواج السوداء تتلاطم بأسفل الهاوية، مسببة ذرات من الرذاذ المالح الذي كان يلفح وجهه ببرودة قاسية، ويمتزج بعرقه البارد. فوقه مباشرة، وعلى شفا جرف شاهق يكاد ينهار في البحر، انتصبت القلعة السوداء بأبراجها الرفيعة والمدببة، كأنها أصابع عملاق متحجر تحاول الإمساك بالسماء المظلمة.

 

لم يكن وصوله إلى هنا مجرد نزهة، بل كان رحلة انتحارية يخوضها بمفرده. قبل ثلاثة أيام، اختفت شقيقته الصغرى من القرية المجاورة، ولم يترك السارق سوى علامة واحدة على فراشها: خريطة مرسومة بريشة سوداء تشير إلى هذا الجرف المنسي. كان أهل القرية يحذرون من الاقتراب من القلعة، ويقسمون أن أبوابها الحديدية لم تُفتح منذ عقود، وأن من يقترب من ظلالها لا يعود أبدًا. لكن طارق لم يكن يملك رفاهية الخوف؛ كان البحث عن أخته هو هدفه الوحيد، حتى لو تطلب الأمر اقتحام حافة الجحيم.

 

بدأ طارق رحلة الصعود عبر درجات الحجر الزلقة التي حفرتها عوامل التعرية على جانب الجرف. كانت كل خطوة تتطلب تركيزًا شديدًا، فخطأ واحد يعني السقوط المحتوم إلى القاع الصخري، حيث تلتطم الأمواج بلا رحمة. وفي منتصف الطريق، رفع رأسه فجأة؛ أثار انتباهه وميض أزرق كئيب ينبعث من إحدى نوافذ البرج العالي. لم يكن ضوء شمعة أو نارًا دافئة، بل كان ضوءًا غريبًا ينبض بإيقاع منتظم، كأنه نبضات قلب محبوس داخل الصخر.

 

توقف طارق لفترة وجيزة، وشد قبضته على مقبض سيفه الثقيل المعلق في حزامه. شعر حينها برعدة تسري في جليته، ليس بسبب برودة الريح، بل بسبب شعور يزداد قوة بأن أحجار القلعة السوداء ليست جمادًا، بل إن هناك عيونًا خفية تتطلع إليه من خلف كل شق وثقب في الجدران العتيقة.

 

واصل الصعود وهو يتنفس بصعوبة، حتى وصل أخيرًا إلى المنصة الحجرية التي تسبق البوابة الرئيسية. كانت البوابة مصنوعة من الحديد الصدئ المصفح بالبرونز، وترتفع لأكثر من أربعة أمتار. خيم السكون مجددًا، لكنه كان سكونًا زائفًا يسبق الكارثة.

 

فجأة، وبلا مقدمات، تردد صوت خفي في الفضاء حوله. لم يكن صوتًا يأتي عبر الهواء أو من فوق الأسوار، بل كان همسًا ينبعث مباشرة من داخل جمجمته، كأن شخصًا ما يهمس في أعماق عقله:

 

«من يجرؤ على صعود جرف النسيان؟ من يطرق باب العتمة؟»

 

تجمد طارق في مكانه، ورفع الشعلة إلى الأعلى لعلها تكشف مصدر الصوت، لكنه لم يرَ أحدًا. قال بصوت مرتجف حاول جاهدًا أن يجعله صارمًا:

 

«أتيت لأسترد أختي! أعلم أنها هنا، ولن أغادر هذا المكان حتى تفتحوا الأبواب.»

 

ارتفعت ضحكة ساخرة، ضحكة خالية من أي مشاعر بشرية، تتداخل فيها أصوات صرير الحديد مع هفيف الريح القوية القادمة من جهة البحر. ثم، وبشكل مفاجئ، انطفأ الوميض الأزرق في نافذة البرج، وساد ظلام تام لعدة ثوانٍ، قبل أن يبدأ الصوت الميكانيكي لسلاسل ثقيلة تتحرك خلف الباب الخشبي والحديدي.

 

بدأت البوابة الضخمة تتحرك ببطء إلى الداخل، مسببة حفيفًا يمزق الصمت ويوحي بأنه لم يتم تحريكها منذ مئات السنين. انبعث من الداخل تيار هوائي بارد محمل برائحة العفن والغبار والحديد الصدئ. وقف طارق عند العتبة، ينظر إلى الممر الداخلي المظلم الذي يمتد نحو المجهول.

 

ثبت الشعلة في شق حجري بجانب الباب، وسحب سيفه برنة معدنية حادة. كان يعلم أن الدخول يعني أنه قد لا يرى نور الشمس مجددًا، لكن لم يكن أمامه خيار آخر. خطا خطوته الأولى إلى داخل القلعة، وفي اللحظة التي وطئت فيها قدمه البلاط الداخلي، انطبقت الأبواب الضخمة خلفه بفرقعة مدوية اهتزت لها الأرض.

 

انطفأت الشعلة الخارجية فورًا، وحل الظلام القاطع. أغمض طارق عينيه لثانية ليتعود على الظلمة، وعندما فتحهما، رأى في نهاية الممر المظلم قنديلًا صغيرًا يشتعل بذاته، وكان هناك ظل طويل يمتد على الجدار، ينتظر خطوته القادمة بكل هدوء.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *