الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
ظل الأربعة واقفين حول الخريطة
لم يتكلم أحد
كانت الجملة الأخيرة ما زالت أمام أعينهم
(الطريق فتح من جديد)
لكن السؤال الذي كان يسيطر على الجميع لم يكن كيف فتح الطريق
بل من الذي فتحه
قال أحمد
“إحنا كنا بندور على مكان من عشرين سنة”
ثم أشار إلى الخريطة
“ودلوقتي المكان هو اللي بيظهر لنا”
رد محمد
“المشكلة إن الخريطة دي ما كانتش موجودة بالشكل ده قبل ما نركب القطع”
قال عبد الرحمن
“يعني إيه”
أجاب محمد
“يعني كل قطعة كانت بتخبي جزء من الخريطة”
نظر الدكتور مصطفى إليه
وقال
“وده معناه إن اللي صنعها كان عايزها تتجمع”
سأله أحمد
“علشان مين”
لم يجب الدكتور
ظل ينظر إلى ياسين
لكن ياسين كان واقفًا بعيدًا
وكأنه يعرف شيئًا لا يريد قوله
اقترب منه الدكتور
وقال
“إنت عارف أكتر من اللي بتقوله”
رفع ياسين عينيه
وقال
“أنا عارف اللي شفته”
“لكن اللي بيحصل دلوقتي أكبر من اللي شفته”
قال الدكتور
“يبقى احكي”
ظل ياسين صامتًا للحظات
ثم قال
“فاكر آخر مرة خرجت فيها من المكان”
“كنت فاكر إن فارس اختفى”
“لكن بعد ما خرجت بأيام”
“لقيت أول رسالة”
سأله محمد
“فين”
قال ياسين
“في دير المدينة”
نظر الدكتور إليه
“دير المدينة”
أجاب
“أيوه”
ثم أضاف
“وكان مكتوب عليها اسمي”
قال عبد الرحمن
“إيه اللي كان مكتوب”
أجاب ياسين
“ارجع إلى المكان الذي صنع فيه الخدم بيوت الملوك”
قال محمد
“دير المدينة”
هز ياسين رأسه
“أيوه”
ثم قال
“بس الرسالة ما كانتش بتطلب مني أروح هناك”
سأله أحمد
“أمال كانت عايزة إيه”
قال ياسين
“كانت بتحذرني”
ساد الصمت
قال الدكتور
“من إيه”
نظر ياسين إلى الخريطة
وقال
“من إن حد يفتح الطريق”
اقترب محمد
وقال
“والطريق اتفتح دلوقتي”
أجاب ياسين
“أيوه”
ثم أضاف
“وعلشان كده لازم نروح دير المدينة”
قال أحمد
“بس إيه اللي هندور عليه هناك”
أجاب ياسين
“الرسالة الثانية”
—
بعد وقت قصير
تحركت المجموعة ناحية دير المدينة
كان الطريق هادئًا
لكن لا أحد كان يتحدث
كل واحد منهم كان يفكر في الشيء نفسه
كيف يمكن لرسالة كتبت منذ سنوات طويلة أن تقودهم الآن
وعندما وصلوا إلى المنطقة
بدأ الدكتور مصطفى يتذكر البعثة القديمة
قال
“أنا كنت هنا قبل عشرين سنة”
سأله عبد الرحمن
“إنت لقيت حاجة وقتها”
أجاب
“لأ”
ثم قال
“وده اللي مخوفني”
نظر إليه محمد
“ليه”
قال
“لأن المكان اللي ما لقيناش فيه حاجة وقتها”
“كان المفروض يكون أول مكان ندور فيه”
دخلوا المنطقة
وبدأ محمد يقارن الخريطة بالنقوش الموجودة
حتى توقف أمام أحد الجدران
قال
“هنا”
اقترب الجميع
كانت هناك علامات صغيرة بجوار نقش قديم
لكنها لم تكن ظاهرة إلا عند التدقيق
أخرج محمد صورة العلامة الموجودة على البردية
ثم وضعها بجانب النقش
تطابقت
قال أحمد
“لقيتوها”
لكن محمد لم يرد
كان يقرأ شيئًا آخر
قال
“فيه نص”
اقترب الدكتور
كانت الكتابة المصرية القديمة محفورة على جزء صغير من الحجر
بدأ محمد يفك الرموز
ثم قال
“الترجمة الأقرب”
“من صنعوا بيوت الموتى”
“حملوا سر الذين لم يُدفنوا”
توقف
ثم أكمل
“ومن وجد الطريق”
“لا يسأل عن الباب”
“بل يسأل عن الاسم”
قال عبد الرحمن
“عن اسم مين”
أشار محمد إلى نهاية النص
كان هناك رمز شخصي بجواره اسم
ثم قال
“فارس”
تغير وجه الدكتور
قال
“مش ممكن”
سأله أحمد
“إيه”
أجاب
“فارس ما كانش مجرد باحث”
نظر إليه الجميع
قال عبد الرحمن
“إنت ما قلتلناش كده”
رد الدكتور
“لأنني ما كنتش أعرف”
قال محمد
“طب إيه معنى الرمز”
قال الدكتور
“ده رمز كاتب”
ثم أضاف
“فارس كان بيدرس النصوص القديمة قبل ما يدخل البعثة”
قال ياسين من خلفهم
“وده السبب اللي خلى البعثة تختاره”
التفتوا إليه
قال
“هو الوحيد اللي قدر يقرأ الجزء الأخير من السجل”
سأل محمد
“أي سجل”
أجاب ياسين
“السجل اللي كنا بندور عليه”
قال الدكتور
“السجل الحجري”
هز ياسين رأسه
“أيوه”
ثم قال
“بس فارس اكتشف حاجة ما قالهاش لنا”
سأله عبد الرحمن
“إيه”
قال ياسين
“إن السجل مش بيحكي عن مقبرة”
ثم نظر إلى الباب القديم
“بيحكي عن مكان كامل”
—
بدأوا في تفحص الجدار
وكانت هناك أربعة تجاويف صغيرة
وضع محمد يده على الأول
ثم قال
“دي مش زخارف”
قال الدكتور
“دي أماكن لقطع”
أخرجوا القطع التي حصلوا عليها من المواقع الأربعة
لكن واحدة منها لم تدخل
قال أحمد
“فيه قطعة ناقصة”
أجاب محمد
“أيوه”
ثم نظر إلى البردية
“لكن البردية بتقول مكانها”
سأله عبد الرحمن
“فين”
بدأ محمد يقرأ
ثم قال
“حيث يستقبل النهر موتاه”
قال الدكتور
“ده ممكن يشير للنيل”
قال ياسين
“أو مكان عبور”
نظر محمد إلى الخريطة
ثم قال
“فيه موقع واحد يناسب الوصف”
سأله أحمد
“فين”
قال
“جزيرة إلفنتين في أسوان”
تغير وجه الدكتور
وقال
“معبد خنوم”
قال محمد
“بالضبط”
قال عبد الرحمن
“يعني لازم نروح أسوان”
أجاب الدكتور
“مش بس أسوان”
ثم نظر إلى الخريطة
“إحنا لازم نعرف ترتيب الأماكن”
قال ياسين
“الترتيب موجود”
سأله الدكتور
“فين”
أشار إلى البردية
وقال
“أول عين”
“ثم الماء”
“ثم الشمس”
“ثم الدفن”
“ثم العبور”
قال محمد
“يعني الكرنك”
“أبو سمبل”
“وادي الملوك”
“الأقصر”
“وبعدين إلفنتين”
نظر الدكتور إلى الخريطة
ثم قال
“لأ”
قال محمد
“إيه”
أجاب الدكتور
“الترتيب ده مش رحلة”
ثم أشار إلى الخطوط
“ده مفتاح”
سأل أحمد
“مفتاح لإيه”
قال الدكتور
“لباب”
ثم رفع عينيه
“والباب موجود هنا”
أشار إلى الدير البحري
—
في تلك اللحظة
صدر صوت من داخل الجدار
تراجع الجميع
تحرك أحد الأحجار ببطء
ثم سقط على الأرض
ظهر تجويف خلفه
كان بداخله صندوق صغير
فتح الدكتور الصندوق
وجد داخله قطعة حجرية سوداء
وعليها أربعة خطوط متقاطعة
أمسكها محمد
وفجأة ظهرت على سطحها كتابة دقيقة
بدأ يترجمها
ثم توقف
قال
“دي مش خريطة”
سأله عبد الرحمن
“أمال إيه”
قال
“دي تعليمات”
قرأ بصوت منخفض
“إذا اجتمع الأربعة”
“لا تدخلوا بيت العرش”
“قبل أن تعرفوا من يحرس بابه”
نظر الدكتور إلى ياسين
قال
“إنت عارف”
رد ياسين
“كنت عارف جزء”
سأله أحمد
“والجزء التاني”
قال ياسين
“عرفته بعد ما اختفيت”
اقترب منه الدكتور
“احكي”
قال ياسين
“اللي بيحرس الباب مش شخص”
ثم أضاف
“اللي بيحرسه اسم”
قال محمد
“اسم”
أجاب
“اسم اتشال من كل السجلات”
سأل عبد الرحمن
“اسم مين”
نظر ياسين إلى الدكتور
وقال
“اسم الملك اللي أصدر أمر إخفاء المكان”
ساد الصمت
قال الدكتور
“مستحيل يكون ملك معروف”
رد ياسين
“مش ملك”
ثم قال
“كان صاحب العرش قبل الملك”
تراجع أحمد
“يعني إيه”
قال ياسين
“يعني شخص حكم من غير ما يظهر اسمه”
اقترب محمد من اللوح
وجد في أسفله رمزًا صغيرًا
قرأه
ثم قال
“الاسم موجود هنا”
قال الدكتور
“اقرأه”
بدأ محمد يترجم الرموز
لكن قبل أن ينطق الاسم
انطفأ المصباح
وسمعوا صوتًا خلفهم
صوت حجر يتحرك
ثم صوت خطوات
هذه المرة لم تكن خطوات شخص واحد
كانت خطوات أكثر من شخص
قال أحمد
“إحنا مش لوحدنا”
أضاء عبد الرحمن مصباحه بسرعة
نظروا إلى الممر
لم يكن هناك أحد
لكن على الأرض ظهرت آثار أقدام حديثة
وكانت تتجه إلى داخل المكان
قال الدكتور
“حد سبقنا”
قال محمد
“إزاي”
أجاب الدكتور
“لأن الرسالة دي ما كانتش مستنيانا إحنا بس”
ثم رفع اللوح
وفجأة ظهرت عليه جملة جديدة لم تكن موجودة قبل لحظات
قرأها محمد
وتجمد مكانه
قال
“الدكتور”
“إيه”
رفع محمد اللوح
وقال
“الرسالة بتقول إن فيه خمسة”
سأله عبد الرحمن
“خمسة مين”
قال محمد
“خمسة هيجمعوا الطريق”
ثم نظر إلى ياسين
“وإحنا أربعة”
قال أحمد
“يبقى مين الخامس”
لم يجب أحد
لأن صوتًا جاء من خلفهم مباشرة
وقال
“أنا”
استدار الأربعة في نفس اللحظة
كان هناك رجل يقف عند مدخل دير المدينة
وفي يده قطعة حجرية تشبه تمامًا القطعة التي كانت معهم
رفع الرجل القطعة أمامهم
وقال
“وأنا عندي الجزء الأخير من الخريطة”
نظر الدكتور مصطفى إلى وجهه
ثم تراجع خطوة
لأنه عرفه
قال بصوت مرتجف
“إنت”
ابتسم الرجل
وقال
“فاكرني يا دكتور”
ثم أضاف
“أنا ابن واحد من رجال البعثة اللي اختفوا”
ساد الصمت
ثم رفع القطعة
وقال
“وأنا عارف فين فارس”
وفي اللحظة نفسها
انطفأت كل الأنوار
وجاء صوت الطرقات الثلاث من أعماق الأرض
لكن هذه المرة
كان معها صوت رابع
صوت باب ضخم بدأ يفتح تحت أقدامهم
انتظر الجزء القادم
![]()
