...
IMG 20260825 WA0021

 

الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

انطفأت آخر شعلة في القاعة

 

ولم يبقَ سوى الظلام

 

كان الأربعة واقفين في أماكنهم

 

لا أحد يعرف ماذا يفعل

 

ولا أحد استطاع أن يبعد عينيه عن الممر الذي ظهر خلف الجدار

 

كان الشاب ما زال واقفًا هناك

 

نفس الطول تقريبًا

 

نفس ملامح الوجه

 

نفس العينين

 

نفس طريقة الوقوف

 

كان يشبه عبد الرحمن بدرجة جعلت أحمد يتراجع خطوة دون أن يشعر

 

قال أحمد

 

“عبد الرحمن”

 

لم يرد

 

قال محمد

 

“إنت شايف اللي أنا شايفه”

 

أجاب عبد الرحمن بصوت منخفض

 

“أيوه”

 

قال الدكتور مصطفى

 

“ما تقربش منه”

 

نظر عبد الرحمن إلى الرجل

 

ثم قال

 

“بس هو شبهِي”

 

رد الدكتور

 

“وده بالضبط اللي مخوفني”

 

رفع الشاب رأسه

 

وقال

 

“أنا مش شبهه”

 

تجمد الأربعة

 

ثم أضاف

 

“هو اللي شبهي”

 

قال عبد الرحمن

 

“إنت مين”

 

ابتسم الرجل

 

وقال

 

“السؤال ده اتسأل قبل كده”

 

قال محمد

 

“مين سأله”

 

أجاب

 

“أول واحد دخل هنا”

 

قال الدكتور مصطفى

 

“الملك”

 

هز الرجل رأسه

 

“لأ”

 

ثم قال

 

“الملك ما كانش أول واحد”

 

اقترب أحمد من الدكتور

 

وقال

 

“إحنا لازم نطلع”

 

لكن قبل أن يتحرك

 

انغلق الباب الحجري خلفهم

 

ارتجت القاعة

 

وسمعوا صوت الحجر وهو يثبت في مكانه

 

قال محمد

 

“الباب اتقفل”

 

رد الدكتور

 

“عارف”

 

قال أحمد

 

“يعني إحنا محبوسين”

 

أجاب الدكتور

 

“لأ”

 

ثم نظر إلى الممر

 

“إحنا اتوجهنا”

 

سأله عبد الرحمن

 

“اتوجهنا لفين”

 

قال مصطفى

 

“للمكان اللي المفروض نروح له”

 

 

 

تحرك الشاب داخل الممر

 

ثم توقف

 

وقال

 

“لو عايزين تعرفوا الحقيقة”

 

“تعالوا”

 

قال الدكتور

 

“إحنا مش هنمشي وراك”

 

ابتسم الشاب

 

“هتمشوا”

 

ثم أضاف

 

“لأنكم لو فضلتوا هنا”

 

“العرش هيبدأ يصحى”

 

اهتزت القاعة مرة أخرى

 

نظر الأربعة إلى العرش

 

بدأ التمثال الموجود في منتصفه يتحرك

 

ارتفع رأسه ببطء

 

كانت عيناه مغلقتين

 

لكن صوتًا خرج منه

 

“ارجعوا الختم”

 

قال محمد

 

“لازم نمشي”

 

تحرك الأربعة خلف الشاب

 

دخلوا الممر

 

وبمجرد أن ابتعدوا

 

اختفى العرش خلفهم

 

أغلق الجدار نفسه

 

قال أحمد

 

“هو إحنا دخلنا مكان جديد”

 

أجاب الشاب

 

“لأ”

 

ثم نظر إلى عبد الرحمن

 

“إنت دخلت المكان اللي كان مستنيك”

 

قال عبد الرحمن

 

“ليه أنا”

 

أجاب

 

“لأنك الوحيد اللي الصورة اختارتك”

 

توقف عبد الرحمن

 

“أي صورة”

 

قال الشاب

 

“الصورة اللي معاك”

 

أخرج عبد الرحمن هاتفه

 

وأظهر الصورة

 

اقترب الشاب

 

ثم قال

 

“دي مش صورة”

 

سأله محمد

 

“أمال إيه”

 

قال

 

“دي خريطة”

 

نظر الدكتور إلى الصورة

 

ثم قال

 

“إنت عارف الصورة دي”

 

أجاب الشاب

 

“أنا اللي بعتها له”

 

تجمد عبد الرحمن

 

“إنت”

 

قال الشاب

 

“أيوه”

 

“إنت اللي بعتلي الصورة”

 

هز رأسه

 

“من زمان”

 

قال عبد الرحمن

 

“بس إنت ما كنتش موجود وقتها”

 

رد الشاب

 

“أنا كنت موجود”

 

ثم اقترب من الصورة

 

“لكن مش بالشكل اللي إنت فاكره”

 

 

 

واصلوا السير

 

كانت جدران الممر مليئة برسومات غريبة

 

لم تكن صور ملوك

 

ولا مشاهد دفن

 

كانت صورًا لأشخاص يسيرون داخل أنفاق

 

وفي كل صورة يظهر شخص يشبه عبد الرحمن

 

قال محمد

 

“دي مش صدفة”

 

أجاب الشاب

 

“لأ”

 

ثم قال

 

“كل مرة المكان كان بيختار واحد”

 

سأله أحمد

 

“يختاره ليه”

 

قال

 

“علشان يحمل الذاكرة”

 

قال عبد الرحمن

 

“ذاكرة مين”

 

أجاب

 

“الملك”

 

توقف الدكتور مصطفى

 

وقال

 

“إنت بتقول إن عبد الرحمن شايل ذاكرة الملك”

 

أجاب الشاب

 

“جزء منها”

 

قال محمد

 

“إزاي”

 

رد

 

“لأن الملك ما ماتش بالطريقة اللي الناس فاكرينها”

 

قال أحمد

 

“أمال مات إزاي”

 

أجاب

 

“هو ما ماتش”

 

ساد الصمت

 

قال الدكتور

 

“ده مستحيل”

 

رد الشاب

 

“بالنسبة لعلمك”

 

ثم نظر إليه

 

“لكن مش بالنسبة للمكان”

 

قال الدكتور

 

“كل الملوك ماتوا”

 

أجاب

 

“الجسد يموت”

 

ثم أضاف

 

“لكن الاسم ممكن يعيش”

 

قال محمد

 

“وده اللي مكتوب في الحجر”

 

أجاب الشاب

 

“بالضبط”

 

 

 

وصلوا إلى قاعة صغيرة

 

في منتصفها حوض حجري

 

كان بداخله ماء صافٍ

 

قال الشاب

 

“هنا أول إجابة”

 

اقترب الدكتور

 

“إجابة إيه”

 

قال

 

“ليه أفراد البعثة اختفوا”

 

نظر محمد إلى الماء

 

ثم لاحظ شيئًا

 

كانت هناك صور تظهر على سطحه

 

صور البعثة القديمة

 

كان فارس يقف أمام العرش

 

وسليم يحمل قطعة ذهبية

 

وحامد يحمل مخطوطة

 

وياسين يقف بعيدًا

 

ثم ظهر الدكتور مصطفى

 

كان واقفًا خارج المكان

 

لم يدخل

 

قال أحمد

 

“دي اللي حصلت”

 

أجاب الشاب

 

“جزء منها”

 

ثم تغيرت الصورة

 

ظهر فارس وهو يضع يده على حجر أسود

 

بدأت الجدران حوله تهتز

 

ثم ظهر شخص خلفه

 

كان يرتدي تاجًا

 

لكن وجهه لم يكن واضحًا

 

قال محمد

 

“مين ده”

 

قال الشاب

 

“اللي كانوا بيدوروا عليه”

 

ثم أضاف

 

“اللي فتحوا له الباب”

 

قال الدكتور

 

“هم اللي فتحوا الباب”

 

رد الشاب

 

“أيوه”

 

“وإنت قلت إنهم اختفوا”

 

“لأنهم كانوا خونة”

 

قال عبد الرحمن

 

“بس إزاي ظهروا لنا”

 

أجاب

 

“المكان سمح لهم يظهروا”

 

ثم قال

 

“علشان يوصلكم للحقيقة”

 

تغيرت صورة الماء

 

ظهر فارس وهو يكتب على حجر

 

ثم ظهر سليم

 

ثم حامد

 

ثم ياسين

 

وكل واحد منهم يضع علامة مختلفة

 

قال محمد

 

“كل واحد منهم كان بيحاول يفتح جزء”

 

أجاب الشاب

 

“كل واحد كان عايز نصيب من السر”

 

قال الدكتور

 

“وأنا”

 

نظر إليه الشاب

 

“إنت الوحيد اللي خرج”

 

قال الدكتور

 

“لأني رفضت”

 

“بالضبط”

 

ثم أضاف

 

“علشان كده العرش ما أخدكش”

 

 

 

فجأة

 

تغير سطح الماء

 

ظهرت صورة جديدة

 

كانت حديثة

 

ليست من الماضي

 

ظهر الدكتور مصطفى

 

ثم محمد

 

ثم أحمد

 

ثم عبد الرحمن

 

كانوا يقفون أمام الدير البحري

 

لكن الصورة لم تكن من اللحظة التي عاشوها

 

كانت تُظهرهم وهم يدخلون مكانًا لم يصلوا إليه بعد

 

قال أحمد

 

“دي مش حصلت”

 

قال محمد

 

“لسه”

 

نظر الدكتور إلى الشاب

 

“إنت بتورينا المستقبل”

 

أجاب

 

“مش المستقبل كله”

 

ثم أشار إلى الماء

 

“اللي المكان يسمح لكم تشوفوه”

 

قال عبد الرحمن

 

“ليه”

 

رد

 

“علشان تختاروا”

 

سأله عبد الرحمن

 

“نختار إيه”

 

قال

 

“تكملوا”

 

ثم نظر إليه

 

“أو ترجعوا”

 

ضحك أحمد

 

“والباب مقفول”

 

قال الشاب

 

“الباب يفتح”

 

سأله محمد

 

“بإيه”

 

أجاب

 

“بالحقيقة”

 

 

 

اقترب عبد الرحمن من الحوض

 

نظر إلى الماء

 

فجأة اختفت الصور

 

وظهر وجه واحد فقط

 

وجهه هو

 

لكن أكبر سنًا

 

كان يقف أمام نفس العرش

 

وفي يده حجر أسود

 

قال عبد الرحمن

 

“ده أنا”

 

أجاب الشاب

 

“لأ”

 

“أمال مين”

 

قال

 

“الشخص اللي ممكن تبقى عليه”

 

تراجع عبد الرحمن

 

قال الدكتور

 

“ابعد عن الحوض”

 

لكن عبد الرحمن لم يتحرك

 

كان الوجه داخل الماء يتحدث

 

لكن صوته لم يكن واضحًا

 

ثم ظهرت كلمات على سطح الماء

 

قرأها محمد

 

“إذا حمل المختار الحجر”

 

ثم ظهرت جملة أخرى

 

“استيقظ الاسم”

 

ثم ثالثة

 

“وإذا استيقظ الاسم”

 

توقف الماء

 

ثم ظهرت آخر جملة

 

“عاد الملك”

 

اهتزت القاعة

 

وانطفأت المشاعل

 

ثم ظهر صوت من بعيد

 

صوت لم يكن صوت الشاب

 

ولا صوت فارس

 

ولا صوت أي شخص عرفوه

 

قال

 

“عبد الرحمن”

 

رفع عبد الرحمن رأسه

 

قال الصوت مرة ثانية

 

“أخيرًا رجعت”

 

نظر الدكتور مصطفى إلى الشاب

 

وقال

 

“إنت كنت عارف”

 

أجاب الشاب

 

“أيوه”

 

“عارف إيه”

 

قال

 

“إنه مش أول مرة يدخل هنا”

 

ساد الصمت

 

اقترب عبد الرحمن منه

 

وقال

 

“أنا دخلت هنا قبل كده”

 

ابتسم الشاب

 

وقال

 

“من غير ما تعرف”

 

ثم أضاف

 

“وأنت كنت صغير”

 

تجمد عبد الرحمن

 

“إنت بتقول إيه”

 

قال الشاب

 

“الصورة اللي معاك ما كانتش أول مرة تشوف المكان”

 

ثم أشار إلى الحائط

 

ظهرت عليه صورة قديمة

 

رجل يحمل طفلًا صغيرًا

 

ويقف أمام مدخل المكان

 

كان الطفل هو عبد الرحمن

 

أما الرجل الذي يحمله

 

فكان الدكتور مصطفى

 

نظر الجميع إلى الدكتور

 

قال أحمد

 

“دكتور”

 

لم يجب مصطفى

 

ظل يحدق في الصورة

 

ثم قال بصوت منخفض

 

“أنا كنت فاكر إن الطفل ده اختفى”

 

قال عبد الرحمن

 

“إيه”

 

رفع الدكتور عينيه إليه

 

وقال

 

“أنا شفتك قبل كده”

 

ثم سكت

 

“قبل ما أعرفك بسنين”

 

وفي اللحظة نفسها

 

ظهر على الجدار نقش جديد

 

كان اسم عبد الرحمن مكتوبًا بطريقة مصرية قديمة

 

وتحته جملة قصيرة

 

“حامل الذاكرة عاد”

 

ثم اهتزت الأرض بعنف

 

وسقطت قطعة من سقف القاعة

 

صرخ أحمد

 

“لازم نخرج”

 

لكن الشاب لم يتحرك

 

بل نظر إلى عبد الرحمن وقال

 

“دلوقتي بدأ الجزء الحقيقي”

 

ثم انشق الحوض الحجري من المنتصف

 

وظهر تحته سلم آخر

 

لكن هذه المرة

 

لم يكن السلم ينزل إلى الأسفل

 

كان يصعد إلى الأعلى

 

قال محمد

 

“إحنا تحت الأرض”

 

أجاب الشاب

 

“أيوه”

 

قال محمد

 

“إزاي فيه سلم طالع”

 

ابتسم الشاب

 

“لأن المكان اللي تحت الأرض”

 

“أكبر من المكان اللي فوقها”

 

ثم جاء صوت الملك من بعيد

 

“أعيدوا حامل الذاكرة إلى العرش”

 

نظر الأربعة إلى بعضهم

 

ثم قال الشاب

 

“دلوقتي لازم نختار”

 

“مين فيكم هيحمي عبد الرحمن”

 

وفي اللحظة نفسها

 

ظهر خلفهم ظل ضخم

 

له تاج

 

ووجه بلا ملامح

 

وكان يقترب ببطء من عبد الرحمن.

 

انتظروا الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *