...
IMG 20260826 WA0029

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

لم تكن الكاتدرائية القديمة مجرد أحجار متراصة يكسوها الغبار، بل كانت مستودعًا للأسرار والصلوات الهامسة التي تراكمت عبر قرون. وفي ذلك الصباح الماطر، كانت الأجواء بالداخل ساكنة، لا يقطع حدتها سوى صوت قطرات المطر التي تقرع على السقف الخشبي بثبات. تقف «إيلين» في الممر الجانبي المظلم، ملفوفة بفستانها الأبيض المصنوع من الدانتيل العتيق، وحجابها الطويل الشفاف يسقط حولها كغيمة من الغزل الرفيع.

 

كانت تبدو كلوحة زيتية لم تكتمل بعد، أو ربما شخصية خرجت توًّا من صفحة رواية كلاسيكية لم يقرأها أحد منذ عقود. لم يكن الفستان جديدًا؛ بل كان إرثًا عائليًّا انتقل إليها عبر ثلاثة أجيال، يحمل في طياته رائحة اللافندر المجفف وعبق السنين. لكن ما كان يشغل بالها في تلك اللحظة لم يكن الفستان ولا تفاصيل الحفل المقرّر بعد ساعات، بل تلك النشرة الضوئية الساحرة التي غمرت الجانب الأيمن من جسدها.

 

أمامها تمامًا، كانت تقف نافذة عملاقة من الزجاج الملون، صيغت أنماطها الهندسية في القرن الثامن عشر. ومع اختراق شعاع شمس مفاجئ لغيم الصباح، انكسر النور عبر الزجاج الملون، ليتناثر على جسد إيلين وحجابها في سيل متوهج من الألوان. الياقوت الأحادي، والأزرق اللازوردي، والزمرد، والذهب الدافئ؛ كلها تضافرت لتصنع قوس قزح حيًّا يرقص على خيوط حجابها كلما تحركت أنفاسها.

 

لم تكن تلك الألوان مجرد ضوء انعكس بالصدفة، بل كانت بالنسبة لها أشبه بنصوص مرئية ورسائل مكتوبة بلغة لا تفهمها سوى الأرواح الهادئة. تذكرت جدتها التي ورثت منها هذا الفستان، وكيف كانت تحدثها وهي طفلة عن «لحظة التجلي»، حين يتحدث الضوء إلى الفن والأدب دون الحاجة إلى كلمات. كانت الجدة تقول دائمًا: «إن الألوان في الأماكن القديمة ليست مجرد صبغات، بل هي حكايات أناس عاشوا، وأحبوا، ورحلوا وتركونا نكمل اللوحة».

 

رفعت إيلين يدها الكسولة لتلامس خيط الحجاب المتوهج ببريق أصفر دافئ. شعرت وكأنها تكتم سرًّا كبيرًا بين أضلعها. هل هي مستعدة بالفعل لهذه الخطوة الجديدة؟ هل يستطيع المرء أن يترك ماضيه الآمن ويخطو نحو مستقبل مجهول بالكامل؟

 

كان السكون بالداخل يتسع، وأصوات الخطوات البعيدة على البلاط الرخامي تذوب قبل أن تصل إليها. في هذه العزلة المؤقتة، وجدت إيلين مساحتها الخاصة للتفكير. لم يكن هذا اليوم مجرد زفاف، بل كان بمثابة حدّ فاصل بين مرحلتين؛ بين الفتاة التي تقضي لياليها بين الكتب والدفاتر والأوراق تكتب قصصًا عن أناس وهميين، وبين المرأة التي توشك أن تكتب قصتها الحقيقية الخاصة على أرض الواقع.

 

تأملت النافذة مجددًا. قطع الزجاج المعشّق لم تكن متماثلة؛ بعضها كان مكسورًا وتم ترميمه، وبعضها الآخر حمل خدوشًا واضحة صنعتها السنون والرياح. ومع ذلك، عندما اجتمعت تلك القطع المتباينة والمجروحة معًا، أنتجت هذا المشهد الباهر الذي يخطف الأنفاس. ابتسمت إيلين في سرها وهي تدرك الأمل الفلسفي العميق وراء هذا المشهد: الحزن، والخوف، والبهجة، والذكريات القديمة ليست سوى قطع زجاجية متباينة في روحها، وحين تمر الحياة عبرها، ينبعث النور الحقيقي.

 

تحركت خطوة واحدة إلى الأمام، فانزاحت الألوان على فستانها لتشكل طيفًا جديدًا يطغى عليه اللون البنفسجي والوردي. كان الحجاب ينساب خلفها ببطء، يجر ذيوله على الأرضية المصقولة. لم تعد تشعر بالخوف الذي تملّكها عند الفجر، بل حل محله يقين هادئ؛ أن الحياة ليست سوى نص طويل نكتبه خطوة بخطوة، وأن كل فصل جديد يحتاج إلى الشجاعة لنطوي الصفحة القديمة.

 

أغمضت عينيها واستنشقت رطوبة المكان العتيق، مستمتعة باللحظة الأخيرة من الصمت قبل أن تُفتح الأبواب الخشبية الضخمة، وتبدأ الموسيقى، ويتسابق الجميع لإلقاء التحية.

 

في هذه الثواني القليلة المتبقية، كانت إيلين مجرد عروس تسكن داخل بقعة ضوء ساحرة، تقف عند نقطة التلاقي بين الفن، والذاكرة، والحقيقة.

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *