الصحفية: خديجة محمود عوض
> ❝ ما بَينَ الحَـرفِ والوَجَـع… امرأة تكتب بِمـدادٍ مِن روحها ❞
حين تخطّ الكاتبة سطورها، لا تكتب حروفًا، بل تنفث من روحها شيئًا يُشبه الاعتراف، ويُشبه التوق إلى حياةٍ أصدق من الواقع..
في كل نصٍّ تكتبه، ثمة ظلّ جرحٍ قديم، أو صدى حلمٍ يتوارى خلف الحنايا.
في هذا الحوار، سنغوص معها في عمق الأسئلة التي لا تُطرح، لنكشف وجه الكاتبة حين تنفرد بنفسها، وتحدّق في ورقةٍ بيضاء كأنها مرآةٌ لنفسٍ تتشكّل..
1. من تكونين حين تنزعين عنكِ لقب “الكاتبة”؟ ومن تكونين حين تنفردين بالقلم وحدكِ دون جمهور؟
عندما أنزع عني لقب كاتبة أعود أما وزوجة.. امرأة عادية جدًا تحيا مثل الآخرين، بنفس الأحلام والطموحات التي ليست لها، بل لبيتها وأولادها.
ربما يبدو الأمر مملًا أو مخيبًا، لكنه ليس كذلك على الإطلاق.
عندما أنفرد بقلمي، أصبح مزيجًا من المراهقة والنضج.. أحلام صغيرة أتمنى حدوثها، وعراقيل كبيرة واجهتها.
أمزج هذا وذاك، لأصبح السيدة التي تخلق عالمًا تتمنى أن يصبح حقيقة، أو حقيقة تتمنى أن تتحول إلى خيال.
2. متى كانت لحظة البداية؟ وما الحدث الذي دفعكِ إلى الإمساك بالقلم؟
لحظة البداية كانت منذ بدأت أتعلم الإمساك بالقلم.
أذكر جيدًا أنني في الصف الثاني الابتدائي، كتبت أنشودة طفولية صغيرة اسمها “أنا القرنفل”.
لم أكن قد رأيت القرنفل في حياتي، ولا أعرف كيف عرفت الكلمة.
برغم أنها كانت أبياتًا مضعضعة، لكنها كانت أول إنجازاتي.
تلقيت حينها تشجيعًا كبيرًا من أبي الذي يعشق القراءة، ومنذ ذلك الوقت وأنا أكتب بنفس الإحساس الغامر لأول مرة.
3. كيف تصفين علاقتك بالنص؟ هل هو انعكاسٌ لما تعيشينه أم لما تتخيلينه؟
هو مزيج من الاثنين.
أتذكر أن الدكتور أحمد خالد توفيق -رحمه الله- قال: “حتى الخيال يجب أن يكون منطقيًا”،
وأعتقد أن حتى الخيال يحمل جزءًا من الواقع، فالإنسان لا يستطيع أن يخلق من العدم.
إذا كتبتُ، فإن جزءًا من واقعي يظهر في كتاباتي، سواء في الفكرة أو في سمات الشخصيات، حتى لو كانت الحبكة خيالية.
4. هل تتقبلين النقد بسهولة؟ وما الحدّ الفاصل لديكِ بين النقد البنّاء والهدّام؟
أتخوّف منه، لكنني أتقبله.
أحاول أن أدقق في عملي لتفاديه، وأحيانًا أبحث عنه لأنه جزء من بناء شخصيتي ككاتبة.
لا يوجد نقد هدام، بل يوجد أسلوب محبط أو مهين.
النقد البنّاء يطرح حلاً، حتى وإن كان قاسيًا.
أما الإهانة المباشرة، فهي لا تُعتبر نقدًا وأتمنى من الكتّاب ألا يتأثروا بها.
5. ما المشروع الأدبي الذي تحلمين بإنجازه ولم يحن أوانه بعد؟
هو حلم واحد أسعى له الآن:
أن يعرف الناس ما أكتب فيعرفونني، وليس العكس.
أريد لكتاباتي أن تصل إلى القلوب، أن تترك أثرًا، لا أن تكون للمتعة العابرة.
أتمنى أن تخلق كتاباتي نقطة شجن وحنين في قلب كل من يقرؤها.
6. ما الرسالة التي تودين إيصالها لكل فتاة تملك الحرف لكنها تخشى أن تبوح به؟
لا شيء يدعو للخوف.
الفشل لا يستحق البكاء عليه، والتأخر لا يعني أنك متأخرة.
ابدأن فورًا، فالنقد وصعوبات البداية ضرورية، وليست عراقيل.
توكلن على الله، واكتبن بلا ندم.
7. لو سُلب منكِ القلم، هل تظلّين الكاتبة؟ أم أن الكتابة عندكِ فعلٌ لا يُفصل عن الهوية؟
أنا لا أبدأ الكتابة بإمساك القلم.
الفكرة تأتي أولًا، والكتابة فعلٌ والتأليف موهبة.
إذا كان القصد هو الفعل، فلا أحد يستطيع أن يسلبني القدرة على التخيل والتأليف.
لقد وُلدت كاتبة، وستظل الكتابة جزءًا من هويتي، بالقلم أو بالعقل.
8. لو كُتب لنصٍّ من نصوصكِ أن يُخلّد، فأيّ نصّ تختارين؟ ولماذا؟
لم يُخلق بعد.
أنا لا زلت على أول الطريق، أحبو، ولم أبنِ بعد مكتبة من مؤلفاتي.
لكن أتمنى أن يكون في كل نصٍّ أكتبه أثرٌ لا يُمحى في عقل وروح من يقرؤه.
9. وأخيرًا، إن سُمح لقلبك أن يهمس لقارئك برسالةٍ واحدة، لا تنشرها الصحف ولا تدوّنها الكتب، فماذا يقول؟
أقول: كن فخورًا بأنك تقرأ بالعربية وبقلبٍ يعرف العالم جيدًا.
لا تنبهر بأحد، ولا تجلد نفسك، وكن متوازنًا في كل شيء.
10. كيف ترين نفسك الآن بعد هذا الحوار؟ وهل شعرتِ أن الأسئلة كشفت جانبًا مختلفًا عنكِ لم تتحدثي عنه من قبل؟
أجل.
لم أكن أعلم أن هناك ما يسمى “الفضفضة العميقة” حتى هذه اللحظة.
أشكركم على ذلك، لقد أحببت أن الأسئلة كانت إنسانية وعميقة، وهذا ما ميز هذا الحوار.
ختامًا…
حين تنتهي الكلمات، يبقى الأثر.
وكلمات الكاتبة “ريهام سلامة” لم تكن مجرد حروفٍ عابرة، بل بصمات في ذاكرة القراء.
نودّعها ونحن نعلم أن القادم منها سيكون أعمق، أصدق، وربما أشد وقعًا…
فهي لا تكتب لتُقال فقط، بل لتُحس، وتُحدث في القلب رجفةً لا تُنسى.
مجلة: الرجوة الأدبية
![]()
