الكاتبة سارة محمد النوبي
«هــدوء الــلــيــل»
في بداية الحياة نظن أن الأشياء التي اعتدنا عليها ستظل كما هي.
نفس الوجوه، نفس الأماكن، نفس التفاصيل، ونفس النسخة من أنفسنا… ثم تكبر قليلًا، فتكتشف أن الحياة لا تُبقي شيئًا على حاله.
تتغير الأماكن، تتبدل الظروف، تتسع المسافات، تتغير الأولويات، وتأتي أيام لا تشبه الأيام التي سبقتها في شيء، وفي كل مرة، تتعلم درسًا جديدًا:
أن الاعتياد جميل، لكنه قد يكون فخًا؛ فلا تتعود على الراحة حتى تظن أن كل تعبٍ ظلم،
ولا على النجاح حتى تظن أن التعثر نهاية،
ولا على القوة حتى تنكر حاجتك إلى الضعف،
ولا على وجود الأشياء حتى تنسى أنها قابلة للتغير.
تعود أن تبدأ من جديد.
تعود أن تتغير دون أن تخاف من فقدان النسخة القديمة منك، وأن تتقبل أن بعض الأبواب تُغلق لا لأنك أخطأت، بل لأن طريقك لم يعد من هناك.
النضج ليس أن تصبح الحياة أسهل، بل أن تصبح أنت أكثر فهمًا لتعقيدها، أن تعرف أن الأيام لا تسير دائمًا كما خططت،
وأن الخسارة ليست دائمًا عقابًا،
والتأخير ليس دائمًا رفضًا،
والتغيير ليس دائمًا شرًا.
أحيانًا، ما كنت تخشاه بالأمس يصبح هو الشيء الذي يشكّلك غدًا.
لذلك تعود ألّا تتعود.
تترك في داخلك مساحة لاحتمالات الحياة؛ للفرح بعد الحزن، وللبداية بعد النهاية، وللتغيير بعد الثبات، ولنسخة جديدة منك لم تكن تعرف أنها ستولد يومًا.
وربما أجمل ما يمكن أن تصل إليها بعد سنوات من التجربة،
أن تفهم أخيرًا أن الطمأنينة لا تأتي من ضمان بقاء الأشياء، بل من يقينك أنك مهما تغيرت الأشياء، ستعرف كيف تمضي.
تعود ألّا تتعود، ليس لأنك لا تريد الاستقرار، بل لأنك فهمت أن الاستقرار الحقيقي
ليس في أن تبقى الحياة كما هي، وإنما في أن تبقى أنت قادرًا على مواجهتها
كلما أصبحت شيئًا آخر.
![]()
