الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
كان أحمد منذ أن قرأ رسالة والدته يشعر أن شيئًا كبيرًا يقترب
لم يكن الأمر مجرد موعد زواج
كان يشعر أن أربعين صفحة من حياته مع منة أصبحت تقف أمامه دفعة واحدة
كل كلمة
كل مكالمة
كل مرة انتظر فيها صوتها
كل مرة اختلفا فيها ثم عادا يتحدثان
كل خروجة
كل دعاء
كل موقف صغير لم يكن أحد يعرف قيمته غيرهما
كل ذلك أصبح الآن ذكريات تقف أمام قلبه وهو يستعد لخطوة جديدة
وفي أحد الأيام
قرر أحمد أن يطلب من منة أن تخرج معه
لكن عندما سألته إلى أين
قال
مش هقول
قالت
ليه
قال
مفاجأة
قالت
أنا مش بحب المفاجآت
قال
المرة دي هتحبيها
قالت
أنت واثق
قال
جداً
وعندما جاءت
وجدته ينتظرها
وكان واضحًا عليه الهدوء
لكن عينيه كانتا تخفيان شيئًا
قالت
إنت عامل حاجة
قال
لا
قالت
أحمد
قال
نعم
قالت
أنا عارفة إنك مخبي حاجة
قال
طيب تعالي
ركبت معه
وبعد فترة
وصل بها إلى مكان هادئ
لم يكن المكان فخمًا
ولا كان فيه شيء مبالغ فيه
لكنه كان يحمل معنى خاصًا
نظرَت منة حولها
ثم قالت
إحنا فين
قال
فاكرة أول مرة اتكلمنا فيها عن إننا عايزين نفتكر كل حاجة
قالت
آه
قال
أنا قررت أبدأ من البداية
قالت
يعني
قال
أنا عايز أقول لك كل حاجة أنا فاكرها عنك
ضحكت
وقالت
كل حاجة
قال
كل حاجة
جلسا معًا
وبدأ أحمد يتحدث
قال
فاكرة أول مرة شوفتك
قالت
فاكرة
قال
أنا يومها ما كنتش بدور على حب
قالت
وأنا كمان
قال
كنت بدور على إنسانة أقدر أكمل معاها
قالت
وبعدين
قال
لقيتك
ثم قال
فاكرة أول مرة كلمتك
قالت
فاكرة
قال
أنا بعد المكالمة دي قعدت أفكر كتير
قالت
في إيه
قال
هل أنا فعلًا لقيت الإنسانة اللي أقدر أكمل معاها
قالت
ووصلت لإيه
قال
إن قلبي ارتاح
ثم بدأ يذكر لها كل موقف
يوم المصاصات
ضحكت منة وقالت
دي لسه في دماغك
قال
كل حاجة تخصك في دماغي
ثم ذكر لها يوم الملاهي
وكيف كانت تصرخ في الألعاب
وكيف كان يضحك وهو يراقبها
ثم تحدث عن يوم الحسين
وعن اللحظة التي رآها فيها تدعو وتشكر ربنا
وقال لها
اليوم ده أنا حسيت إن ربنا مش بس رزقني بيكي
ده رزقني بحد فاكر إن الرزق الحقيقي من عنده
سكتت منة
وكانت عيناها تلمعان
ثم قالت
وأنا فاكرة يوم ما قلت لي إنك مش عايزني أشيل هم أي حاجة
قال
وأنا فاكر إنك بعدها قلت لي إنك مش هتسيبيني أشيل هم لوحدي
قالت
لسه عند كلامي
قال
وأنا كمان
ثم أخرج أحمد من جيبه شيئًا صغيرًا
لم يكن غاليًا
لكنه كان يحمل معنى كبيرًا
ناولها إياه
قالت
إيه ده
قال
افتحيه
فتحت منة الشيء
وكانت بداخله ورقة صغيرة كتب عليها بخط يده
تاريخ اليوم
وتحت التاريخ كلمات بسيطة
أنا لا أعدك أن الحياة ستكون سهلة
لكن أعدك ألا تواجهين صعوبتها وحدك
قرأت منة الكلمات
وظلت صامتة
ثم قالت
إنت كتبت ده إمتى
قال
من كام يوم
قالت
ليه
قال
عشان كنت عايز أديكي حاجة تفضل معاكي
قالت
دي أغلى من أي حاجة
قال
كنت خايف ما تعجبكيش
قالت
أنا مش محتاجة حاجة غالية
قال
عارف
قالت
أنا محتاجة حاجة من قلبك
قال
عشان كده كتبتها
ثم قالت له
أنا كمان عندي حاجة ليك
قال
إيه
قالت
استنى
وأخرجت من حقيبتها ورقة صغيرة
ناولته إياها
فتحها
فوجدت فيها كلمات كتبتها منة
أحمد
لو في يوم تعبت
افتكر إني اخترتك وأنت في أصعب ظروفك
ولو في يوم الدنيا ضاقت عليك
افتكر إني ما اخترتش راحتك
أنا اخترتك أنت
ولو في يوم حسيت إنك مش قادر
افتكر إن في حد شايفك أقوى إنسان في الدنيا
مش لأنك ما بتتعبش
لكن لأنك بتكمل رغم تعبك
رفع أحمد عينيه إليها
ولم يتحدث
قالت
إيه
قال
أنا مش عارف أقول إيه
قالت
قول أي حاجة
قال
أنا كنت فاكر إني لازم أكون أقوى واحد في الدنيا عشان أحميكي
قالت
وأنا كنت فاكرة إن لازم أفضل قوية طول الوقت عشان ما أتعبكش
قال
وطلعنا غلطانين
قالت
إزاي
قال
طلع إن القوة إن كل واحد فينا يسمح للثاني يشوف ضعفه
قالت
صح
قال
عشان يقدر يسنده
قالت
بالضبط
ثم قال أحمد
تعرفي إيه أكتر حاجة أنا ممتن لها
قالت
إيه
قال
إننا لما اختلفنا ما سبناش بعض
ولما الظروف ضاقت ما اتهمناش بعض
ولما الفلوس قلت ما اتخانقناش عليها
ولما اتأخرنا ما فقدناش الأمل
قالت
عشان إحنا كنا فاهمين إن اللي بينا أكبر من أي مشكلة
قال
وأهم من أي حاجة مادية
قالت
وأقرب لربنا
قال
وده أهم شيء
وفي تلك اللحظة
رن هاتف أحمد
كانت والدته
أجاب
ثم استمع إليها
وقال
حاضر يا أمي
وأغلق الهاتف
قالت منة
في إيه
قال
الموعد اتحدد
سكتت
ثم قالت
بجد
قال
أيوه
قالت
خلاص
قال
خلاص
قالت
يعني فعلًا
قال
أيوه
اقترب اليوم الذي انتظروه طويلًا
كانت منة تحاول أن تمنع دموعها
لكنها لم تستطع
قال أحمد
بتعيطي ليه
قالت
مش عارفة
قال
فرحانة
قالت
أوي
قال
خايفة
قالت
شوية
قال
طب تعالي هنا
قالت
ليه
قال
عايز أقول لك حاجة
قالت
قول
قال
من أول يوم وأنا كنت بدور على بيت أعيش فيه
قالت
ولقيت
قال
لقيت إن البيت مش أربع حيطان
قالت
أمال
قال
البيت إنسان
قالت
مين
قال
إنتي
بكت منة أكثر
ثم قالت
ربنا يخليك ليا
قال
وربنا يخليكي ليا
قالت
أحمد
قال
نعم
قالت
لو في يوم اختلفنا بعد الجواز
قال
نتكلم
قالت
ولو زعلنا
قال
نرجع
قالت
ولو الدنيا ضغطت
قال
نصبر
قالت
ولو تعبنا
قال
نسند بعض
قالت
ولو اتخانقنا
قال
ما ننامش وإحنا شايلين من بعض
قالت
وعد
قال
وعد
قالت
ولو نسينا كل ده
قال
نفكر في أول يوم
قالت
ولو نسينا أول يوم
قال
نفكر في ربنا اللي جمعنا
قالت
يبقى مش هنضيع
قال
إن شاء الله مش هنضيع
وفي طريق العودة
لم يتحدث الاثنان كثيرًا
كان الصمت هذه المرة يحمل معنى مختلفًا
كل واحد منهما كان يعيش آخر أيام الخطوبة في قلبه
كانت منة تنظر من النافذة
وتتذكر بيت أهلها
وتفكر في البيت الذي ستنتقل إليه
وأحمد كان يقود السيارة
ويفكر في أن حياته التي عاش جزءًا كبيرًا منها وهو يشعر بفراغ بسبب غياب والده
أصبحت الآن على وشك أن تبدأ صفحة جديدة
صفحة يتمنى فيها أن يكون الرجل الذي كان يتمنى أن يراه بجوار والده
وعندما وصل إلى منزله
دخل غرفته
وأغلق الباب
ثم جلس وحده
ونظر إلى صورة والده
وقال بصوت خافت
كان نفسي تكون معايا وتشوفني وأنا داخل على أهم خطوة في حياتي
سكت قليلًا
ثم قال
كنت أتمنى أعرف منك حاجات كتير
لكن ربنا عوضني
وابتسم
وقال
هحاول أكون لأهل بيتي الرجل اللي كنت أتمنى أشوفه قدامي
ثم رفع يديه
ودعا الله أن يبارك له في منة
وأن يجعل بيتهما بيت رحمة ومودة
وفي الجانب الآخر
كانت منة تجلس بجوار والدتها
وكانت والدتها تجهز معها بعض الأشياء
قالت منة
ماما
قالت
نعم
قالت
أنا خايفة أسيب البيت
قالت والدتها
كل بنت بييجي عليها اليوم ده
قالت
بس أنا حاسة إني هسيب حاجة كبيرة
قالت والدتها
إنتي مش هتسيبي أهلك
إنتي هتفتحي بيت جديد
قالت
ومش عارفة هكون كويسة ولا لأ
قالت والدتها
خلي قلبك هادي
وكوني صريحة
واسمعي قبل ما تحكمي
ولو حصل خلاف
ما تخليش الزعل أكبر من الحب
قالت منة
أنا وأحمد اتفقنا على ده
ابتسمت والدتها
وقالت
يبقى ربنا يتمم لكم على خير
وفي تلك الليلة
نام أحمد ومنة وكل واحد منهما يحمل في قلبه دعاء واحدًا
أن يكون ما جمعهما الله عليه
أقوى من كل ما يمكن أن يفرقهما
وهكذا انتهت أيام الخطوبة
ليس لأن الحب انتهى
بل لأن الحب نفسه أصبح مستعدًا لمرحلة أكبر
مرحلة لن تكون فيها مكالمة طويلة تكفي
ولا خروجة قصيرة تكفي
ولا وعد على ورقة يكفي
فقد أصبح عليهما أن يثبتا أن ما بينهما كان أكثر من كلام جميل
وأن الوعد الذي بدأ بين قلبين
يمكن أن يتحول إلى بيت
وإلى حياة
وإلى أسرة
ومن هنا
كانت البداية الحقيقية
بداية الزواج
بداية الأيام التي سيكتشف فيها أحمد ومنة أن أجمل أنواع الحب
ليس الحب الذي لا يعرف الخلاف
بل الحب الذي يعرف كيف يعود بعد كل خلاف أقوى مما كان
وفي صباح اليوم التالي
استيقظ أحمد
وكان يعرف أن هذا اليوم مختلف
لأن منة لم تعد مجرد خطيبته
لقد أصبح موعد أن تصبح زوجته قريبًا جدًا
وكان قلبه يردد شيئًا واحدًا
الحمد لله
على وعد بدأ بنظرة
وكبر بكلمة
واستمر بالصبر
ووصل الآن إلى باب جديد
اسمه
الحياة.
انتظر الجزء القادم
![]()
