...
IMG 20260913 WA0034

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

لم يعد الوقت يمر كما كان من قبل

 

كل يوم أصبح يحمل معه إحساسًا جديدًا

 

وكل صباح كان أحمد يستيقظ وهو يعرف أن هناك شيئًا يقترب

 

شيئًا ظل يحلم به منذ اللحظة التي دخلت فيها منة حياته

 

لم تعد كلمة الزواج بالنسبة إليه مجرد فكرة

 

أصبح لها موعد

 

وأصبح لها بيت

 

وأصبح لها تفاصيل

 

وأصبح لها وجه يعرفه جيدًا ويشتاق إليه كل ليلة

 

أما منة

 

فكانت تعيش الإحساس نفسه

 

كانت تشعر أن الأيام التي جمعتها بأحمد في فترة الخطوبة أصبحت فجأة غالية جدًا

 

حتى أبسط الأشياء

 

المكالمة التي كانت تراها عادية

 

أصبحت الآن ذكرى تريد أن تحتفظ بها

 

والخروجة التي كانت تنتهي ثم تعود إلى بيتها

 

أصبحت تتخيل أنها ستعود بعدها إلى بيتهما

 

وكان أكثر ما يشغلها

 

أنها لم تعد تريد أن يمر الوقت بسرعة

 

كانت تريد أن تعيش الأيام الأخيرة من الخطوبة بكل تفاصيلها

 

وفي أحد الأيام

 

اتصل أحمد بها

 

وقال

 

إنتي فاضية النهارده

 

قالت

 

آه

 

قال

 

عايز أشوفك

 

قالت

 

في حاجة

 

قال

 

مفيش

 

قالت

 

يبقى أكيد في حاجة

 

قال

 

مش كل مرة عايز أشوفك يبقى في حاجة

 

قالت

 

طب حاضر

 

وبعد أن التقيا

 

جلسا يتحدثان عن الأيام القادمة

 

وكان أحمد أكثر هدوءًا من المعتاد

 

لاحظت منة ذلك

 

وقالت

 

مالك

 

قال

 

بفكر

 

قالت

 

في إيه

 

قال

 

في كل حاجة

 

قالت

 

يعني

 

قال

 

في أول يوم شوفتك فيه

 

قالت

 

وأنا كمان فاكرة

 

قال

 

أنا يومها كنت متردد

 

قالت

 

كنت خايف

 

قال

 

مش خايف منك

 

قالت

 

عارفة

 

قال

 

كنت خايف أظلم بنت ملهاش ذنب

 

قالت

 

وبعدين

 

قال

 

وبعدين شوفتك

 

قالت

 

وحصل إيه

 

قال

 

حسيت براحة

 

قالت

 

وأنا كمان

 

قال

 

بس ما كنتش أعرف إن الراحة دي هتكبر بالشكل ده

 

قالت

 

وأنا ما كنتش أعرف إن الشخص اللي شوفته أول مرة هيبقى أهم شخص في حياتي

 

ابتسم أحمد

 

ثم قال

 

فاكرة أول مكالمة طويلة

 

قالت

 

أكيد

 

قال

 

أنا بعدها عرفت إن في مشكلة

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

إني بقيت مستني صوتك

 

قالت

 

دي مش مشكلة

 

قال

 

بالنسبة لي كانت مشكلة

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

لأني كنت طول عمري متعود على الوحدة

 

قالت

 

وأنا غيرت ده

 

قال

 

أوي

 

ثم سكت قليلًا

 

وقال

 

فاكرة أول مرة خرجنا

 

قالت

 

فاكرة

 

قال

 

وأول مصاصة

 

ضحكت منة

 

وقالت

 

أنت لسه فاكرها

 

قال

 

دي تاريخ

 

قالت

 

طب وأول مرة الملاهي

 

قال

 

دي مستحيل أنساها

 

قالت

 

كنت بتضحك عليا

 

قال

 

عشان كنتي بتصرخي

 

قالت

 

كنت بخاف

 

قال

 

وأنا كنت مبسوط إنك مبسوطة

 

قالت

 

وبعدين الحسين

 

قال

 

اليوم ده كان مختلف

 

قالت

 

عشان صلينا

 

قال

 

وعشان شفتك وإنتي بتشكري ربنا

 

قالت

 

كنت مبسوطة

 

قال

 

وأنا عيني دمعت

 

قالت

 

أنا شوفت

 

قال

 

كنت محرج

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

مش عايزك تشوفي دموعي

 

قالت

 

أنا كنت مبسوطة إنك بتبكي من الفرح

 

قال

 

يمكن عشان حسيت إن ربنا جمعني بيكي بعد سنين كنت فيها محتاج حاجة مش عارف أسميها

 

قالت

 

ولقيتها

 

قال

 

لقيتها

 

ثم ظل الاثنان صامتين للحظات

 

وكان كل واحد منهما يستعيد شريط الأيام

 

كل المواقف الصغيرة

 

كل الضحكات

 

كل مرة حدث فيها سوء تفاهم

 

كل مرة تصالحا

 

كل مرة قال أحدهما للآخر

 

أنا جنبك

 

حتى أصبحت تلك الجملة مثل وعد ثابت بينهما

 

وفي أثناء الحديث

 

قالت منة

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

أنا عندي خوف صغير

 

قال

 

قولي

 

قالت

 

بعد الجواز

 

قال

 

إيه

 

قالت

 

ممكن الحياة تتغير

 

قال

 

أكيد هتتغير

 

قالت

 

أنا خايفة الحب يتغير

 

قال أحمد

 

الحب ممكن شكله يتغير

 

قالت

 

يعني

 

قال

 

في الخطوبة بنحب بالكلام والمكالمات والخروجات

 

بعد الجواز هنحب بالتعب

 

وبالاهتمام

 

وبالمسؤولية

 

وبإن الواحد يقوم يعمل حاجة للثاني وهو تعبان

 

قالت

 

يعني الحب هيبقى أكبر

 

قال

 

لو حافظنا عليه

 

قالت

 

وإحنا هنحافظ

 

قال

 

إزاي

 

قالت

 

نفتكر إحنا بدأنا إزاي

 

قال

 

صح

 

قالت

 

ونفتكر إننا اخترنا بعض بإرادتنا

 

قال

 

ونفتكر إننا في كل مرة اتخانقنا فيها عرفنا نرجع لبعض

 

قالت

 

ونفتكر إننا ما خليناش أي حد يحل مكاننا في مشاكلنا

 

قال

 

ونفتكر إن ربنا هو اللي جمعنا

 

قالت

 

بالضبط

 

ثم قالت

 

أنا مش عايزة بعد الجواز أبقى بس زوجتك

 

قال

 

أمال

 

قالت

 

عايزة أفضل صاحبتك

 

قال

 

وأنا عايز أفضل صاحبك

 

قالت

 

وحتى لو بقينا مشغولين

 

قال

 

هنلاقي وقت

 

قالت

 

حتى لو جينا يوم وتعبنا من بعض

 

قال

 

هنرتاح ونرجع

 

قالت

 

وحتى لو اختلفنا

 

قال

 

نتكلم

 

قالت

 

وحتى لو الدنيا ضاقت

 

قال

 

نفتكر ربنا

 

قالت

 

وحتى لو مفيش فلوس

 

قال

 

نضحك

 

قالت

 

إزاي

 

قال

 

نقول إننا لسه مع بعض

 

ضحكت منة

 

وقالت

 

أنت غريب

 

قال

 

بس بتحبيني

 

قالت

 

أوي

 

وفي الأيام التالية

 

بدأت الاستعدادات الأخيرة

 

أصبحت الشقة أقرب إلى شكلها النهائي

 

وبدأت التفاصيل التي كانت تبدو بعيدة تصبح حقيقة أمام أعينهما

 

كان أحمد يتابع كل شيء

 

وفي كل مرة يرى تقدمًا جديدًا

 

كان يرسل إلى منة

 

خلصت حاجة جديدة

 

فترد

 

ابعتلي صورة

 

فيقول

 

تعالي شوفيها بنفسك

 

فتقول

 

مش هينفع

 

فيقول

 

ليه

 

فترد

 

عشان لو جيت كل شوية مش هسيب المكان

 

فيقول

 

وأنا مش هخليكي تمشي

 

فتضحك

 

ثم يعودان للحديث عن شيء آخر

 

وفي إحدى الليالي

 

قالت منة

 

أنا عايزة أطلب منك طلب

 

قال

 

قولي

 

قالت

 

يوم الجواز

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

لو شفتني متوترة

 

ما تضحكش عليا

 

قال

 

ليه

 

قالت

 

عشان أنا ممكن أكون بخاف

 

قال

 

هطمنك

 

قالت

 

ولو عيطت

 

قال

 

هقول لك عيطي

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

عشان الفرح مش لازم يمنع الدموع

 

قالت

 

ولو أنا مش عارفة أتكلم

 

قال

 

أنا هتكلم

 

قالت

 

ولو إنت اتوترت

 

قالت

 

أنا هطمنك

 

قال

 

إحنا اتفقنا

 

قالت

 

على إيه

 

قال

 

اللي مش قادر عليه واحد

 

يشيله الثاني

 

قالت

 

وعد

 

قال

 

وعد

 

ثم قالت منة

 

بس أنا عندي حاجة تانية

 

قال

 

إيه

 

قالت

 

عايزة أول كلمة تقولها لي بعد الجواز تكون

 

حمد لله على سلامتك

 

استغرب أحمد

 

وقال

 

ليه

 

قالت

 

عشان أحس إني رجعت لك

 

سكت أحمد طويلًا

 

ثم قال

 

هقولها

 

قالت

 

وعد

 

قال

 

وعد

 

ثم أضاف

 

بس أول كلمة أنا عايز أسمعها منك

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

الحمد لله

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

عشان أعرف إنك دخلتي حياتي وأنتي شايفة إنها نعمة

 

قالت

 

هقولها

 

قال

 

وأنا كمان

 

وفي نهاية تلك الليلة

 

ظل أحمد وحده يفكر

 

لم يكن يتخيل أن الإنسان يمكن أن يتعلق بتفاصيل شخص إلى هذا الحد

 

لم يكن يحب منة فقط

 

بل أصبح يعرف طريقة ضحكتها

 

ونبرة صوتها عندما تكون متعبة

 

وصمتها عندما تكون زعلانة

 

وطريقة كلامها عندما تكون فرحانة

 

وكان يعرف أنها هي الأخرى أصبحت تعرف تفاصيله

 

ولم يعد يشعر بالخجل من أن يظهر أمامها ضعيفًا

 

فقد أصبح يعرف أن الرجل لا يفقد قوته عندما يعترف بتعبه لمن يحب

 

بل يصبح أقوى

 

لأنه يعرف أن هناك من سيحمل معه جزءًا من الطريق

 

وفي صباح اليوم التالي

 

وصلت إلى أحمد رسالة من والدته

 

الحاجات كلها قربت تخلص

 

قرأ الرسالة

 

وظل ينظر إليها طويلًا

 

ثم كتب لمنة

 

إحنا قربنا أوي

 

جاء ردها بعد دقائق

 

أنا حاسة

 

قال

 

خايفة

 

قالت

 

شوية

 

قال

 

وأنا

 

قالت

 

بس إنت مش لوحدك

 

قال

 

عارف

 

قالت

 

وعدنا بعض

 

قال

 

وعد القلب

 

قالت

 

وعد القلب

 

وكانت تلك الكلمات

 

آخر ما قاله الاثنان في تلك الليلة

 

لكنها لم تكن مجرد كلمات

 

كانت اسمًا لكل ما عاشاه منذ البداية

 

فقد بدأ الأمر بسؤال بسيط عن فتاة مناسبة

 

ثم نظرة أولى

 

ثم قبول

 

ثم خطوبة

 

ثم حب

 

ثم بيت

 

ثم حلم

 

والآن

 

لم يتبق إلا القليل

 

وكانت الصفحة القادمة ستشهد واحدة من أكثر لحظات الخطوبة تأثيرًا

 

لحظة سيجد فيها أحمد نفسه يستعيد كل شيء من البداية

 

ويقرر أن يفعل لمنة شيئًا لم يكن مخططًا له

 

شيئًا بسيطًا

 

لكنه سيجعلها تشعر أن كل يوم عاشاه معًا

 

كان محفوظًا في قلبه بالتفصيل.

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *