الكاتبه أمل سامح
لم أنم بعد أن غادر سليم.
ولم أعرف إن كان قد غادر فعلًا، أم أنني كنت أعيش داخل واحدة من تلك الذكريات التي بدأت تقتحم رأسي دون إذن.
ظللت جالسة أمام الباب حتى طلوع الشمس.
المفتاح النحاسي كان في يدي.
والورقة التي تحمل جملة الطفل:
«سُدرة، لا تثقي بسليم.»
كانت أمامي على الطاولة.
كلما قرأتها، ازداد اقتناعي بأن هناك شيئًا ناقصًا.
شيئًا أكبر من مجرد ذاكرة مفقودة.
عند السابعة صباحًا، قررت أن أبحث عن بيت جدتي.
كنت أعرف أنه هُدم منذ سنوات، لكنني احتفظت بعنوانه القديم في صندوق أوراق أمي.
بحثت طويلًا حتى وجدته.
وعندما قرأت العنوان، شعرت بقلبـي يتوقف.
الشارع نفسه.
لكن شيئًا آخر كان مكتوبًا أسفل العنوان بخط أمي:
«لا تذهبي إلى هناك وحدك.»
لم أتذكر متى كتبتها.
ولماذا.
وصلت إلى الشارع بعد الظهر.
كان المكان مختلفًا تمامًا عما أتذكره.
المنازل القديمة اختفت، وحلّت مكانها عمارات حديثة.
إلا منزلًا واحدًا.
منزل جدتي.
كان واقفًا في نهاية الشارع، كما لو أن السنوات لم تستطع الاقتراب منه.
الباب الخشبي نفسه.
الخدش نفسه.
والنافذة الصغيرة التي كنت أختبئ خلفها عندما كنت طفلة.
اقتربت.
أخرجت المفتاح.
لكنني لم أحتج إلى استخدامه.
الباب كان مفتوحًا.
دخلت.
رائحة الغبار والخشب القديم ملأت المكان.
خطوت ببطء.
كل شيء بدا مألوفًا بصورة مخيفة.
غرفة الجلوس.
الممر.
الدرج.
ثم رأيت شيئًا على الحائط.
صور عائلية قديمة.
اقتربت منها.
كانت هناك صورة لي وأنا في السادسة من عمري.
وبجواري أمي وجدتي.
لكنني لم أكن أنظر إلى الكاميرا.
كنت أنظر إلى شخص يقف خارج إطار الصورة.
شخص لا يظهر منه سوى يده.
وفي يده…
مفتاح نحاسي.
رفعت يدي إلى فمي.
ثم سمعت صوتًا خلفي.
— كنت أعرف أنك ستأتين.
استدرت.
كانت امرأة مسنّة تقف عند باب الغرفة.
لم أعرفها.
قالت:
— تأخرتِ كثيرًا يا سُدرة.
— من أنتِ؟
ابتسمت.
— السؤال الذي يجب أن تسأليه هو: من كنتِ؟
شعرت بالارتباك.
اقتربت منها.
— هل تعرفينني؟
— كنت أعرفك قبل أن تنسي.
تراجعت.
— ماذا تقصدين؟
نظرت إلى الصورة.
ثم قالت:
— سليم لم يكن الشخص الوحيد الذي اختفى من حياتك.
— من أيضًا؟
لم تجب.
بدلًا من ذلك، فتحت درجًا خشبيًا قديمًا وأخرجت دفترًا أسود.
وضعته أمامي.
— هذا لكِ.
فتحته.
في الصفحة الأولى كان اسمي.
سُدرة عبد الرحمن.
لكن أسفل الاسم كانت هناك قائمة.
أسماء كثيرة.
أسماء رجال ونساء.
وبجانب كل اسم تاريخ.
بعض التواريخ في الماضي.
وبعضها في المستقبل.
قلت:
— ما هذا؟
قالت:
— الأشخاص الذين كانوا جزءًا من حياتك.
— أعرف بعضهم.
— والباقون؟
نظرت إلى الأسماء.
لم أعرف أحدًا منهم.
قالت:
— لأنك لم تقابليهم بعد.
رفعت رأسي إليها.
— ماذا؟
أشارت إلى أحد الأسماء.
«سليم — 2009.»
ثم إلى اسم آخر:
«نورا — 2018.»
ثم اسم ثالث.
لم أفهم.
«ليان — 2041.»
قلت:
— من ليان؟
لم تجب.
قلبت الصفحة.
كان هناك تاريخ:
2041.
وبجانبه جملة واحدة:
«لم تولد بعد.»
تجمدت.
— ما معنى هذا؟
قالت المرأة:
— بعض الناس يدخلون حياتنا بعد أن يولدوا.
ثم اقتربت مني وهمست:
— وبعضهم…
يُكتب قبل أن يولد.
أغلقت الدفتر بعنف.
— من كتب هذا؟
قالت:
— أنتِ.
ضحكت.
— أنا؟
— نعم.
— لكنني لم أكن أعرف حتى بوجود هذا الدفتر!
قالت بهدوء:
— لأنك طلبتِ أن تنسيه.
ساد الصمت.
ثم سألتها:
— لماذا؟
نظرت إليّ طويلًا.
— لأنك رأيتِ المستقبل.
شعرت بقشعريرة.
— أي مستقبل؟
قالت:
— المستقبل الذي لم يكن يجب أن تريه.
ثم فتحت الصفحة الأخيرة.
كانت فارغة تقريبًا.
إلا من جملة واحدة.
كتبت بحبر أحمر:
«إذا وصلتِ إلى هذه الصفحة، فهذا يعني أن سليم فشل في إيقافك.»
توقفت أنفاسي.
— إيقافي عن ماذا؟
نظرت المرأة إلى الباب.
ثم قالت:
— عن معرفة الحقيقة.
— أي حقيقة؟
رفعت عينيها إليّ.
— أن النعي الذي قرأتِه لم يكن عن موتك.
صمتُّ.
— إذن عن موت مَن؟
قالت:
— عن الشخص الذي سيأخذ مكانك.
ثم دفعت الدفتر نحوي.
— انظري إلى الصفحة الأخيرة جيدًا.
نظرت.
كان هناك سطر جديد لم يكن موجودًا قبل لحظات.
ظهر أمام عيني حرفًا حرفًا، وكأن يدًا غير مرئية تكتبه.
«سُدرة لن تموت في 2043.»
تنفست بارتياح.
لكن الجملة لم تنتهِ.
ظهر السطر التالي:
«لأن سُدرة ستختفي قبل ذلك.»
ثم سطر ثالث:
«وسيولد شخص آخر باسمها.»
تراجعت عن الطاولة.
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتفي.
نظرت إلى الشاشة.
رقم مجهول.
فتحت الرسالة.
لم تكن من سليم.
ولا من نورا.
كانت من شخص لم أسمع باسمه من قبل.
«مرحبًا يا سُدرة.»
ثم وصلت رسالة ثانية:
«أنا ابنتك.»
يتبع…
![]()
