...
IMG 20260921 WA0078

 

الكاتبة: عاليا عجيزة

 

انسابت الكلمات الأولى من التعويذة الملكية بين شفتيها الشفافتين، كنسيمٍ أثيري دافئ، فتجاوبت معها حجارة القاعة الدائرية باهتزازات خفيفة، كأنها تستيقظ من نومٍ دام قرونًا. لم يكن الضوء الأزرق المنبعث من رداء الشبح مجرد شعاع باهت كما كان في السابق، بل بدأ يتكاثف ويتشكل في خطوط منسوجة من النور الذهبي والفضي، تتبع المسارات الدقيقة للنقوش المحفورة على الجدران. وفي تلك اللحظة، تحركت التماثيل النحاسية للفرسان القابعة حول العرش الملكي؛ لم تسقط أقنعتها، بل انبعث من حواجبها ومآقيها جمرٌ أزرق متوهج، وكأن الأرواح الحارسة للقصر تلقت الإشارة التي انتظرتها طويلًا عبر غياهب الزمن.

 

سارت في منتصف القاعة، والوثيقة الملكية تتوهج بين يديها كقبسٍ من نهار وسط عتمة الدهاليز السفلية. كانت كل كلمة تقرؤها تجسد أمام عينيها ظلالًا من الماضي الحقيقي: رأت الخيانة وهي تُحاك في الغرف المغلقة، ورأت الأيادي التي دست السم في كؤوس الاحتفال، والوجوه المبتسمة التي كانت تخفي خناجر مسمومة تحت عباءاتها المخملية. لم تكن هذه الدهاليز مجرد ممرات للاختباء، بل كانت السجن الكبير الذي أُغلق على حقيقة السلالة المالكة، حيث طُمرت الحقائق ليبقى التاريخ المزيف هو المتداول بين ألسنة البشر خارج الأسوار.

 

توقفت عند بوابة حجرية ضخمة في أقصى القاعة، نُقش عليها ختم العرش المكسور. رفعت يدها النحيلة ولثمت الحجر الأملس بأطراف أصابعها، فبدأت البوابة تنشطر ببطء، وصوت احتكاك الصخور الفولاذية يدوي في أرجاء المكان. خلف البوابة، لم تكن هناك عتمة أخرى، بل برزت أمامها بحيرة بصرية من الضباب المشع، تسبح فيها ذكريات وأصداء الأشخاص الذين عاشوا في القصر قبل الفناء. بدأت الظلال تقترب منها، لا لتؤذيها، بل لتطلب الخلاص؛ كانت أرواح حراس وملوك وخدم، جميعهم معلقون في تلك المنطقة البرزخية، ينتظرون يدًا تمتلك الجرأة لترميم الختم المكسور أو تدميره بالكامل.

 

وقفت عند حافة البحيرة الضبابية، ونظرت إلى التاج الملكي المنعكس على سطح الماء الشفاف. كانت تعلم أن خطوتها القادمة ستحسم كل شيء؛ فإما أن تخوض في ضباب الذكريات وتُعيد استحضار أجساد أرواح القصر ليتواجهوا مع حاضرهم، أو أن تضحي بالوثيقة وتحرق الأسرار لتمنح الجميع راحة الأبدية دون حساب.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *