الكاتبة نوران عمرو
23 سبتمبر.. يوم عالمي للتأكيد على أن التواصل حق، وأن الدمج الحقيقي يبدأ من الفهم
في 23 سبتمبر من كل عام، يحتفي العالم بـاليوم الدولي للغات الإشارة، وهي مناسبة تهدف إلى زيادة الوعي بأهمية لغات الإشارة ودورها في ضمان حقوق الأشخاص الصم وتعزيز مشاركتهم الكاملة في المجتمع.
ولا تقتصر أهمية هذه المناسبة على الاحتفاء بلغة الإشارة، وإنما تفتح الباب أمام مجموعة من الأسئلة المهمة: هل المشكلة الأساسية التي يواجهها الشخص الأصم هي فقدان السمع؟ أم أن الحاجز الأكبر يتمثل في عدم قدرة المجتمع على التواصل معه؟ وهل يكفي وجود مترجم لغة إشارة لتحقيق الدمج؟
وفي هذا السياق، توضح د/ بسنت سيد، مترجمة لغة الإشارة، عددًا من النقاط المهمة حول واقع التواصل مع الأشخاص الصم، وأهمية أن يتحول الوعي بلغة الإشارة من مجرد مناسبة سنوية إلى ممارسة حقيقية في الحياة اليومية.
1. هل المشكلة الحقيقية أن الشخص الأصم لا يسمع.. أم أن المجتمع لا يعرف كيف يتواصل معه؟
تؤكد د/ بسنت سيد أن المشكلة الأكبر في كثير من الأحيان تكون حاجز التواصل وليس فقدان السمع نفسه.
فالشخص الأصم يستطيع أن يتعلم ويعمل ويشارك في المجتمع ويتخذ قراراته، لكن عندما لا يجد شخصًا يستطيع التواصل معه بلغة الإشارة، يصبح الوصول إلى الخدمة أو المعلومة أكثر صعوبة.
وتشير إلى أن تعلم أساسيات لغة الإشارة ليس رفاهية، وإنما وسيلة للمساهمة في بناء مجتمع أكثر شمولًا، يستطيع أفراده التواصل مع بعضهم البعض بصورة أكثر سهولة واحترامًا.
2. لماذا قد يشعر الشخص الأصم بالعزلة رغم وجوده وسط الناس؟
قد يجلس الشخص الأصم وسط عائلته أو زملائه أو أصدقائه، ومع ذلك يشعر بأنه بعيد عنهم.
وتوضح د/ بسنت أن وجود الإنسان وسط الآخرين لا يعني بالضرورة أنه قادر على التواصل معهم. فقد يكون الشخص موجودًا في مناسبة عائلية أو اجتماع أو محاضرة، بينما يدور الحوار من حوله دون أن يتمكن من متابعته.
ومع تكرار هذه التجربة، قد يشعر الشخص بأنه موجود جسديًا، لكنه مستبعد اجتماعيًا.
وهنا تصبح إتاحة التواصل جزءًا أساسيًا من شعور الإنسان بالانتماء والمشاركة.
3. هل الاعتماد على مترجم لغة الإشارة هو الحل؟
رغم الأهمية الكبيرة لدور مترجم لغة الإشارة، إلا أن د/ بسنت تؤكد أن المترجم عنصر مهم لكنه ليس الحل الوحيد.
فالمجتمع يحتاج أيضًا إلى قدر أكبر من الوعي بأساسيات التواصل مع الأشخاص الصم، كما تحتاج المؤسسات إلى توفير خدمات ومعلومات ميسرة، إلى جانب تدريب الموظفين الذين يتعاملون بشكل مباشر مع الجمهور.
وتوضح أن الهدف ليس أن يكون المترجم موجودًا في كل لحظة، وإنما أن يصبح الشخص الأصم أكثر قدرة على التواصل والحصول على الخدمات باستقلالية.
4. ماذا يحدث عندما يذهب شخص أصم إلى المستشفى ولا يجد وسيلة تواصل مناسبة؟
من أكثر المواقف التي تكشف أهمية التواصل الفعال المجال الطبي.
فالمريض يحتاج إلى شرح أعراضه وفهم التشخيص والتعليمات الطبية، وقد يؤدي عدم وجود وسيلة تواصل مناسبة إلى صعوبة حقيقية في نقل المعلومات وفهمها.
وتشير د/ بسنت إلى أن الاعتماد على أحد أفراد الأسرة للترجمة ليس مناسبًا دائمًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمعلومات طبية خاصة.
لذلك، فإن توفير آليات واضحة للتواصل مع المرضى الصم ليس مجرد تسهيل للخدمة، بل ضرورة لضمان وصول المعلومة الطبية بصورة صحيحة.
5. هل استخدام الكتابة يحل مشكلة التواصل مع الشخص الأصم دائمًا؟
توضح د/ بسنت أن الكتابة قد تكون وسيلة مناسبة لبعض الأشخاص الصم، لكنها ليست حلًا واحدًا يناسب الجميع.
فمستوى إتقان اللغة المكتوبة يختلف من شخص إلى آخر، كما أن لغة الإشارة قد تكون اللغة الأكثر راحة وطلاقة بالنسبة لبعض الأشخاص الصم.
ولهذا، فإن الأفضل ألا نفترض مسبقًا الطريقة التي تناسب الشخص، وإنما نسأله ببساطة عن الطريقة التي يفضل التواصل بها.
6. لماذا يعد تعلم لغة الإشارة في الطفولة أمرًا مهمًا؟
تؤكد د/ بسنت أن السنوات الأولى من حياة الطفل مرحلة أساسية لاكتساب اللغة والتواصل، ولذلك فإن حصول الطفل الأصم على وسيلة لغوية مناسبة ومبكرة يساعده على التعبير عن احتياجاته ومشاعره وأفكاره.
كما أن دور الأسرة لا يقل أهمية؛ فعندما تتعلم الأسرة لغة الإشارة، فإنها تستطيع بناء علاقة تواصل حقيقية مع طفلها، بدلًا من أن يعيش الطفل في عزلة لغوية داخل منزله.
وتشير إلى أن الطفل يحتاج إلى اللغة والتواصل منذ البداية، بالتوازي مع أي وسائل أو تدريبات أخرى تناسب احتياجاته.
7. هل التكنولوجيا أنهت مشكلة التواصل مع الصم؟
ساهمت التكنولوجيا في توفير العديد من الأدوات التي جعلت التواصل أسهل، مثل الترجمة النصية ومكالمات الفيديو وبعض التطبيقات.
لكن د/ بسنت توضح أن التكنولوجيا ساعدت كثيرًا ولم تُنهِ المشكلة بالكامل.
فبعض المواقف تحتاج إلى الدقة والسرعة وفهم السياق، وهو ما يجعل التكنولوجيا وسيلة مساعدة مهمة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا وحيدًا عن التواصل الإنساني وإتاحة الخدمات بصورة مناسبة.
8. هل لغة الإشارة مسؤولية الأشخاص الصم فقط؟
تؤكد د/ بسنت أن الإجابة هي: لا.
فإذا كانت لغة الإشارة وسيلة تواصل يستخدمها جزء من المجتمع، فمن المهم أن يمتلك أفراد من المجتمع السامع معرفة بأساسياتها، خصوصًا العاملين في المجالات التي تتطلب التعامل المباشر مع الجمهور.
ولا يعني ذلك أن يصبح الجميع مترجمي لغة إشارة، وإنما أن يعرف الإنسان كيف يبدأ التواصل باحترام، وكيف يجذب انتباه الشخص الأصم، وكيف يسأله عن الطريقة التي يفضل التواصل بها.
9. ما الخطأ الأكبر الذي يقع فيه الشخص السامع عند محاولة التواصل مع شخص أصم؟
من أكثر الأخطاء شيوعًا أن يفترض الشخص السامع أنه يعرف مسبقًا ما يحتاج إليه الشخص الأصم.
وتوضح د/ بسنت أن البعض قد يتحدث بصوت مرتفع جدًا، أو يمسك بالشخص فجأة لجذب انتباهه، أو يتحدث مع المرافق بدلًا من الشخص الأصم نفسه.
والأفضل هو التواصل معه بشكل مباشر واحترام استقلاليته، وسؤاله عن الطريقة الأنسب للتواصل.
فبدلًا من افتراض احتياجاته، يمكن ببساطة أن نسأله: «تحب نتواصل إزاي؟»
10. ما الرسالة التي يجب أن تصل إلى المجتمع في اليوم الدولي للغات الإشارة؟
في هذه المناسبة، تشدد د/ بسنت سيد على أهمية النظر إلى الشخص الأصم من خلال ما يستطيع أن يحققه، وليس فقط من خلال ما فقده.
فالمطلوب ليس الشفقة، وإنما توفير اللغة والتواصل والدعم والفرص التي تساعد الشخص على التعلم والمشاركة والاستقلال.
وقد يبدأ التغيير بخطوة بسيطة جدًا؛ أن يتعلم الشخص بعض أساسيات لغة الإشارة، وأن يحاول التواصل دون حرج، وأن يتعامل مع الشخص الأصم مباشرة باحترام وصبر.
التواصل حق.. والدمج يبدأ من هنا
اليوم الدولي للغات الإشارة ليس مجرد مناسبة للاحتفال بلغة، وإنما فرصة لإعادة التفكير في الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع الأشخاص الصم.
فقد لا يكون التحدي الحقيقي هو أن الشخص الأصم لا يسمع، وإنما أن المجتمع لم يتعلم بعد كيف يتواصل معه.
وكما تؤكد د/ بسنت سيد، فإن إتاحة التواصل تعني إتاحة المعلومة، والخدمة، والمشاركة، والاستقلال.
وربما تكون إشارة بسيطة نتعلمها اليوم هي الخطوة الأولى نحو مجتمع يشعر فيه كل شخص أنه قادر على أن يتواصل، وأن يُفهم، وأن يكون جزءًا كاملًا من الحياة من حوله.
![]()
