الكاتبة/هالة الشيخ
ثمة نضجٌ ما.. لا يُرى في الإنسان حين يتعلّم أن يقول .. أخطأت.
لا يقولها وهو يبتلع كبرياءه ..
ولا وهو يشعر أنه خسر جولة ..
ولا وهو يحسب لمن كانت الغلبة في نهاية الحديث ..
يقولها كما تُقال الأشياء التي لا تحتاج إلى شجاعة استثنائية ..
لأن الحقيقة، حين تستقر في النفس، لا تعود إهانةً للذات.
أخطأتُ، إذن أعتذر ..
بهذه البساطة التي أفسدها فينا كثيرًا خوفُنا على صورتنا أمام الآخرين.
كأن الاعتذار يُنقص من قدرنا،
وكأن الرجوع عن الخطأ انحناء، وكأن الاعتراف بأننا آذينا أحدًا يمنح ذلك الأحد سلطةً علينا.
حتى جعلنا من كلمة “آسف” معركةً صغيرةً للكرامة.
والحقيقة أن الكرامة لا تُمسّ حين نعترف بخطئنا، الذي يسقط هو ذلك الجزء المتصلّب فينا، الذي يريد أن يبقى صحيحًا حتى أمام الحقيقة.
أن أعتذر لا يعني أنني صرت أدنى منك،
ولا يعني أنك صرت أعلى مني.
يعني فقط أنني رأيت ما فعلت، ولم أحتج إلى أن أختبئ خلف تبريرٍ كي أحتفظ بصورةٍ جميلة عن نفسي.
ولستُ مضطرًا، كلما أخطأت، أن أستدعي أخطاءك كي يصبح خطئي محتملًا.
ولا أن أبحث عن ظرفٍ يخفف عني مسؤوليته.
ولا أن أقول: “ولكنك أيضًا.. “كأن خطأ الآخر يمحو خطئي.
ربما أجمل ما يبلغه المرء أن يصبح صادقًا مع نفسه إلى الحد الذي لا يرى في الاعتذار تنازلًا،
بل ترتيبًا بسيطًا للأشياء في داخل الروح هذا كان خطئي،
وهذا حقك،
وهذه كلمة أقولها لأنني لا أريد أن أعيش منحازًا إلى نفسي ضد الحقيقة.
فالاعتذار الناضج لا يحتاج إلى إذلال صاحبه، كما أن قبول الاعتذار لا يفرض على صاحبه أن يعيد العلاقة إلى ما كانت عليه.
قد أعتذر وأنا محتفظ بكرامتي كاملة،
وقد تسامحني وأنت محتفظ بحقك في أن تتغير المسافة بيننا ..
فليست كل الأشياء التي تُصلحها كلمة “آسف” تعود إلى صورتها الأولى.
لكن شيئًا في الروح يستقيم حين لا يعود الإنسان مضطرًا إلى الكذب على نفسه كي يبدو قويًا.
حين يستطيع أن يقول، بلا خوف من أن تصغر صورته ..
أخطأت ..
وكان ينبغي ألا أفعل ..
آسف ..
![]()
