الكاتب د. عبد الرحيم الشويلي
قبل أن يصبح نائبًا، كان السياسيُّ المهووسُ بالشكِّ يعيشُ بين نوباتٍ من الهذيان والارتياب؛ يطارد جيرانه بتهمٍ لا أصل لها، ويكتب أسماءً عابرةً في دفترٍ أسودَ صغير، كأنّه يحمل سجلًّا مقدّسًا لا يحقّ لأحدٍ أن يعرف سرَّه.
اتّهم صاحبَ البقالة ذات يوم بأنّه يبيع الخبز ضمن مؤامرةٍ صهيونية، وقال عن جارته إنّها تنشر الغسيل على السطح بطريقةٍ ترسل بها إشاراتٍ إلى الـCIA. كان يفتّش في وجوه الناس عن خيانة، وفي كلماتهم عن رائحة عمالة، وفي ضحكاتهم عن مؤامرةٍ مدبّرة.
يمشي في الأزقّة، يراقب كلَّ شيء؛ الباب الذي أُغلق متأخرًا، السيارة التي تحرّكت بلا سبب، القطّ الذي عبر السطح في ساعةٍ مشبوهة. ثم يفتح دفتره ويكتب.
كلُّ شيءٍ عنده دليل… حتى ما لا دليلَ عليه.
سأله جاره ذات مساء: — لماذا تجعل كلَّ شيءٍ مشبوهًا؟
ابتسم، وخفض صوته كأنّه يخشى أن يسمعه الوحش الذي يسكن رأسه: — حتى لو لم يكن هناك ماء، يجب أن أكون أنا الوحيد الذي يعرف أين الينبوع.
لم يكن عطشانًا؛ كان يريد فقط أن يظلَّ الآخرون عطشى، كي يأتوا إليه.
وحين صار نائبًا، لم تتغيّر عاداته؛ تغيّر فقط حجمُ السلطة التي بين يديه.
صار الشكُّ تهمة، والنقدُ عمالة، والرأيُ تجسّسًا، والاختلافُ خيانة. وكلُّ من تجرّأ على الكلام وجد اسمَه، عاجلًا أو آجلًا، في ذلك الدفتر الأسود.
أما الإعلام، فتحوّل إلى خدمٍ يلمّعون صورته، وأصبح الدفترُ أشبهَ بدستورٍ سريّ: أسماء، إشارات، ملاحظات، وملفاتٌ صغيرة تنتظر لحظةَ الغضب أو الصفقة.
وفي إحدى الجلسات، وقف بين زملائه النواب، ورفع الدفترَ الأسود عاليًا، ثم قال ضاحكًا بصوتٍ رخيم: — أنتم جميعًا عطشى… وأنا لا أملك الماء، بل أملك حقَّ الوهم بوجوده.
صفّقوا بحرارة، حتى جفّت حناجرهم.
سقط بعضهم من العطش، بينما جلس هو بهدوء، فتح دفتره، وكتب أمام أسمائهم:
«إنجازٌ برلمانيٌّ عظيم.»
![]()
