الكاتبة: مروة جمال عاشقة القهوة
في الخامسة مساءً تمامًا، كانت تفتح النافذة، تضع كوبًا من القهوة على الطاولة، ثم تترك المقعد المقابل لها فارغًا.
لم يكن مسموحًا لأحد أن يجلس عليه.
لا زوجها، ولا ابنتها، ولا حتى الضيوف الذين يأتون إلى بيتها للمرة الأولى.
وحين كانت ابنتها تسألها عن السبب، كانت تكتفي بإجابة واحدة:
ــ هذا المقعد لأبي.
لم تكن الصغيرة تفهم.
فجدها مات قبل أن تولد، ولم تره سوى في الصور.
لكن أمها كانت تتصرف أحيانًا وكأن الرجل سيطرق الباب في أي لحظة، ويجلس في مكانه المعتاد، ثم يمد يده نحو فنجان القهوة ويقول لها:
ــ هل أعددتِ القهوة كما أحبها؟
كانت تعرف أنه لن يأتي.
ومع ذلك، كانت تفعل الشيء نفسه كل يوم.
في الخامسة مساءً.
منذ سبع سنوات.
كان أبوها رجلًا بسيطًا، لا يملك الكثير، لكنه كان يمنحها شيئًا لا يُشترى بالمال: الأمان.
كان يعود من عمله كل مساء متعبًا، يضع مفاتيحه فوق الطاولة، ثم يبحث عنها قبل أن يخلع حذاءه.
كان يقول لها دائمًا:
ــ أين ابنتي؟ أريد أن أراها أولًا.
فتخرج إليه وهي تضحك، فيفتح ذراعيه لها، وكأنها غابت عنه سنوات، لا ساعات.
كان يعرف تفاصيلها الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد.
يعرف أنها تحب قهوتها خفيفة، وأنها حين تصمت طويلًا تكون حزينة، وأن جملة «أنا بخير» لا تعني شيئًا حين تقولها وهي لا تنظر في عينيه.
وكان يحتفظ في جيبه دائمًا بقطعة حلوى صغيرة لها، حتى بعد أن كبرت وأصبحت تشعر بالخجل حين يعطيها إياها أمام الناس.
ذات مساء، وجدها تبكي بسبب مشكلة صغيرة في الجامعة.
جلس بجوارها ولم يسألها عن السبب.
فقط أمسك يدها وقال:
ــ ابكي يا ابنتي، ولكن لا تجعلي شيئًا صغيرًا يقنعك بأنك ضعيفة.
ثم ابتسم وأضاف:
ــ تذكري دائمًا أنني موجود. مهما ضاق بك العالم، ستجدين لي مكانًا بجوارك.
لم تكن تعرف وقتها أن هذه الجملة ستكون أثقل ما تسمعه في حياتها بعد رحيله.
فبعد سنوات قليلة، رحل أبوها فجأة.
لم يمنحها فرصة أخيرة لتخبره كم كانت تحبه.
ترك معطفه خلف الباب، وساعته فوق الطاولة، وفنجان القهوة نصف ممتلئ.
ومنذ ذلك اليوم، تغيّر كل شيء.
احتفظت بأغراضه كما هي، وكأن تحريك أي شيء منها اعتراف بأن صاحبها لن يعود.
وفي الأيام الأولى، كانت تبكي حتى تنام.
ثم توقفت عن البكاء.
ليس لأنها شُفيت، بل لأن الحزن حين يطول يصبح جزءًا من الإنسان، حتى لا يعود يعرف أين ينتهي قلبه، وأين يبدأ وجعه.
ومرت السنوات.
كبرت، وتزوجت، وأنجبت طفلة.
لكنها لم تتوقف عن الجلوس أمام النافذة في الخامسة مساءً.
وفي أحد الأيام، جاءت ابنتها الصغيرة وجلست إلى جوارها.
نظرت إلى المقعد الفارغ وسألت:
ــ أمي، لماذا تتركين هذا المقعد فارغًا دائمًا؟
ابتسمت الأم، وقالت:
ــ لأنه لأبي.
ــ لكن جدّي مات منذ زمن.
صمتت الأم قليلًا، ثم قالت:
ــ أعرف.
سألت الطفلة:
ــ إذن لماذا تنتظرينه؟
نظرت الأم إلى الطريق، ثم قالت بصوت خافت:
ــ لأنني أحيانًا لا أنتظر أن يعود… أنا فقط أشتاق إلى أن أشعر بالأمان الذي كان يمنحني إياه.
اقتربت الصغيرة منها، وأمسكت يدها.
ثم قالت:
ــ إذا كان جدي لن يعود، هل يمكنني أن أجلس مكانه؟
رفعت الأم عينيها إليها.
وفي اللحظة نفسها، أدركت شيئًا لم تدركه طوال سبع سنوات.
لقد أمضت وقتًا طويلًا تنظر إلى المقعد الفارغ أمامها…
حتى لم تنتبه إلى من كان يجلس بجوارها طوال الوقت.
احتضنت ابنتها، وبكت.
لكنها هذه المرة لم تبكِ على أبيها.
بكت لأنها فهمت أخيرًا أن الحب لا يطلب منا أن نبقى واقفين عند باب الغائبين إلى الأبد.
بعض من نحبهم يرحلون…
لكنهم يتركون لنا شيئًا منهم، كي نستطيع أن نكمل الطريق.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد المقعد فارغًا.
كانت ابنتها تجلس عليه كل مساء.
أما صورة أبيها، فبقيت معلقة فوقه.
وحين تنظر إليها، لم تعد تقول:
ــ لماذا رحلت؟
بل أصبحت تقول:
ــ شكرًا لأنك كنت أبي.
![]()
