حوار: حور حمدان
في البداية، نود أن نُعرّف القُرّاء بك؟
ابتسم بثقة وقال:
أدعي أحمد محمود شرقاوي، كاتب روائي، ومحرر صحفي، ومقدم برامج. صدرت لي عشرة أعمال ورقية حتى الآن، من مواليد محافظة الجيزة عام 1996م، وخريج كلية التجارة وإدارة الأعمال، شعبة اقتصاديات التجارة الخارجية.
تابعت بأبتسامة:
متى بدأت علاقتك بالكتابة؟ وهل تذكر أول نص كتبته يومًا؟
أجاب قائلًا:
بدأت علاقتي بالكتابة منذ سن العاشرة، وكانت أولى محاولاتي عبارة عن قصة مستوحاة من عدد من سلسلة “ملف المستقبل” للدكتور نبيل فاروق. أما أول قصة حقيقية كتبتها فكانت عام 2017، من نوع الرعب وباللغة العربية الفصحى. كانت ضعيفة من حيث اللغة وقتها، لكن مع مرور الوقت، وتحديدًا حين بدأت كتابة القصص بشكل منتظم، تطور مستواي تدريجيًا.
قلت بتأنِ :
هل كانت الكتابة بالنسبة لك حلم طفولة، أم شغفًا وُلِد مع التجربة والنضج؟
استرسل متحدثًا:
كنت شغوفًا بالكلمات والتعبير عن الأفكار منذ الصغر، ومع مرور الوقت أدركت أن الكتابة هي الملاذ الأمثل لإطلاق العنان لما يدور في ذهني. بدأت بكتابة الخواطر والقصص، ولاقت كتاباتي صدى جميلًا وتقديرًا من القراء، فكان ذلك دافعًا قويًا للاستمرار والتطور. وبفضل الله، تهيأت لي الفرص للدخول إلى هذا المجال، والانطلاق فيه بكل شغف وحب.
أثار فضولي أن أعرف :
أيهما أقرب إلى قلبك: الرواية، المقال، أم القصة القصيرة؟ ولماذا؟
تنهد مبتسمًا، ثم قال:
القصة القصيرة هي الأقرب إلى قلبي، لأنها تشبه الومضة الخاطفة التي تترك أثرًا عميقًا. أحب قدرتها على التعبير بكثافة وعمق في مساحة صغيرة، وكأنها لقطة مركّزة من حياة كاملة. فيها التحدي، ومتعة التكثيف، وتمنحني حرية التنقل بين العوالم والأفكار دون أن أفقد وصلة التأثير أو جمال السرد.
سرت بي الرغبة لمعرفة :
من أين تستمد أفكارك؟ وهل تؤمن بمقولة أن الكاتب يكتب ذاته داخل شخوصه؟
أطرق رأسه لحظة ثم قال:
أستمد أفكاري من كل ما يحيط بي؛ من نظرة عابرة، حلم غامض، حديث عادي تحوّل في رأسي إلى حكاية، أو حتى شعور عميق لم أستطع تجاهله. التفاصيل الصغيرة في الحياة هي منجم الأفكار الحقيقي.
أما عن مقولة “الكاتب يكتب ذاته داخل شخوصه”، فأؤمن بها كثيرًا. فكل شخصية تحمل جزءًا مني، سواء في ضعفها أو قوتها، في تساؤلاتها أو حتى في صراعاتها. الكتابة في جوهرها مرآة للروح.
قلت له بفضول :
حين تبدأ في كتابة عمل روائي طويل، ما الذي يستوقفك أكثر: الفكرة أم الشخصيات أم الحبكة؟
رد بحزم:
ما يستوقفني أولًا هو الفكرة، لأنها الشرارة الأولى التي يولد منها كل شيء، لكنها لا تكفي وحدها. الشخصيات تمنح القصة روحها، أما الحبكة فهي التي تصقلها وتمنحها البُنية والقوة.
قاطعت حديثة متسائلة:
هل يعتمد أسلوبك في الكتابة على التخطيط الدقيق المسبق، أم تترك للنص حرية التشكل أثناء الكتابة؟
مال بجسده قليلًا للأمام وقال:
أميل إلى المزج بين التخطيط والحرية. أبدأ عادة بخطوط عريضة، فكرة أساسية، ملامح الشخصيات، ونقاط تحوّل رئيسية في الحبكة. لكني أترك للنص حرية التشكل أثناء الكتابة؛ لأن بعض التفاصيل لا تُولد إلا في لحظة الكتابة الصادقة.
أحيانًا تفاجئني الشخصيات بتصرفات لم أخطط لها، وأجد نفسي أكتشف القصة كما لو كنت أقرأها لا أكتبها. التخطيط يمنحني الاتجاه، أما الحرية فهي ما يمنح النص الحياة.
سألته بنبرة فضول:
ما الذي يشكّل التحدي الأكبر أمامك أثناء الكتابة؟ وكيف تتجاوز حالات الفتور أو العجز الإبداعي؟
أجاب بأبتسامة عميقة :
أكبر تحدٍّ أواجهه أثناء الكتابة هو شعوري أحيانًا بأن لدي فكرة، لكنني أعجز عن التعبير عنها بالشكل الذي أتمناه.
أما في لحظات الفتور أو العجز، فأُفضل أن أبتعد قليلًا عن الكتابة لاستعادة هدوئي. قد أقرأ، أو أخرج في نزهة، أو أمضي وقتًا مع أشخاص مقربين، ومع الوقت تعود الأفكار شيئًا فشيئًا، ويشتعل الحماس من جديد.
للوهلة التالية خطر ببالي أن أسأله :
من هم الكُتاب الذين تأثرت بهم في بداياتك؟ وهل هناك أديب تعتبره ملهمك الأول؟
أردف بصوت واثق:
نعم، تأثرت بعدد من الكتّاب الذين كان لهم دور كبير في تشكيل وعيي الأدبي وتنمية خيالي. في البداية، تعلّقت كثيرًا بكتابات الدكتور نبيل فاروق، فهو أول من جذبني إلى عالم القراءة، وألهمني بأفكاره المتنوعة وخياله الواسع.
كما أحب الكتّاب أصحاب الرسائل العميقة، مثل الدكتور مصطفى محمود، الذي أثّر كثيرًا في طريقة تفكيري ونظرتي للحياة. ومن الكتّاب الذين أستمتع بأسلوبهم كثيرًا، الكاتب تامر إبراهيم، لما يتميز به من تشويق وسرد محكم قادر على جذب القارئ من أول سطر.
بدا السؤال حتميًا فقلت له:
كيف ترى المشهد الأدبي العربي حاليًا؟ وهل يجد الكاتب الجاد مكانه وسط هذا الزخم؟
استهل حديثه بنبرة هادئة:
المشهد الأدبي العربي حاليًا متنوع وثري، لكنه مزدحم جدًا، خصوصًا مع انتشار وسائل النشر الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي. أتاح ذلك الفرصة للجميع، سواء من يملكون موهبة حقيقية أو من يكتبون بدافع الشهرة فقط.
لكنني أؤمن أن الكاتب الجاد سيجد مكانه مهما طال الوقت. فالقارئ الحقيقي يميز بين النص الصادق والعمل السطحي.
أضفت بأعجاب :
بصفتك كاتب مقالات أيضًا، هل تختلف طقوسك وأساليبك بين كتابة المقال والرواية والقصة القصيرة؟
ابتسم وقال:
نعم، تختلف طقوسي بين كتابة المقال والرواية أو القصة القصيرة. في المقال أكون أكثر التزامًا ووضوحًا، وأعتمد على العقل والتحليل. أما في الرواية والقصة، أترك مساحة للخيال والمشاعر.
لكل نوع أدبي طريقته الخاصة، وأستمتع بالتنقل بينها حسب الفكرة والمزاج.
عقدت حاجبي بدهشة وقلت:
في زمن ازدحمت فيه منصات النشر الورقي والإلكتروني، أين يجد الكاتب الحقيقي نفسه؟
رد بحزم واضح عليه :
في زمن الزحام، قد لا يكون الظهور سهلًا. لكن الكاتب الحقيقي يجد نفسه في صدق قلمه وجودة ما يقدّمه. لا يهم المنصة بقدر ما يهم الأثر. فالنص القوي يفرض نفسه، ويصل إلى القارئ مهما تغيّرت الوسائل.
لم أتوانَ عن أن أطرح عليه:
ما الحلم الذي ما زال يؤرقك ككاتب، ولم يتحقق بعد؟
بدت على وجهه ملامح حماس وهو يقول:
الحلم الذي ما زال يرافقني هو أن أكتب عملًا يبقى في ذاكرة القارئ طويلًا، يلمس روحه ويترك فيه أثرًا حقيقيًّا. وأن أرى كلماتي تعيش بعدي، وتُقرأ بشغف كما قرأتُ أنا لمن سبقوني.
قلت له بنفس نبرة الحماس :
ككاتب ومحرر.. ما النصيحة الأهم التي تقدمها لكل كاتب شاب يخطو أولى خطواته؟
أجاب بثبات:
أن يكتب بصدق، دون تكلّف أو تقليد. وأن يقرأ كثيرًا؛ فالقراءة هي وقود الكتابة. الصبر مهم أيضًا، لأن النضج الإبداعي لا يأتي بسرعة. وكل نص يكتبه هو خطوة نحو صوتٍ خاص يميّزه.
همست بنبرة مهتمة:
وألان ماذا تقول للقراء الذين يتابعونك، وما رسالتك الدائمة من خلال كل ما تكتب؟
رفع حاجبيه مستبشرًا وقال:
أقول لكل قارئ يتابعني: أنتم النبض الحقيقي لما أكتب، ووجودكم هو ما يمنح الكلمات حياة.
رسالتي؛ أن نرى أنفسنا في الحكايات، ونطرح الأسئلة، ونبحث عن المعنى وسط الضجيج. فأنا أكتب لألمس شيئًا في القلب والعقل، وأتمنى أن تجدوا دائمًا في كلماتي ما يستحق أن يُقرأ.
وأخيرًا، سألته:
ما رأيك بالحوار الصحفي ومجلة الرجوة الأدبية؟
ابتسم ابتسامة راضية وقال:
الحوار الصحفي كان ممتعًا وملهمًا، والأسئلة حملت عمقًا حقيقيًا ساعدني على التعبير عن أفكاري بكل راحة وصدق.
أما مجلة الرجوة الأدبية، فأراها منبرًا أدبيًا راقيًا، يفتح المجال للأقلام الجادة، ويمنح الكتّاب فرصة للتواصل مع قرّاء يهتمون بالكلمة الهادفة. كل التقدير لجهودكم في دعم الأدب والكُتّاب، وشُكر خاص للمُحررة حور حِمدان لإدارتها هذا الحوار بكل احترافية.
![]()
