ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20261013 WA0002

 

الكاتب عبد الرحمن شعبان سعيد 

 

وبدأ شيء هائل…

 

يستيقظ تحت أوريال ونيرافا.

 

لم يكن الصوت قادمًا من السماء.

 

ولم يكن قادمًا من البوابة.

 

كان قادمًا من الأسفل.

 

من المكان الذي ظلت المدينتان معلقتين فوقه طوال تلك القرون.

 

ارتجفت أوريال.

 

ثم ارتجفت نيرافا.

 

وللمرة الأولى، استطاع سكان المدينتين أن يروا ما كان مخفيًا تحت السحب.

 

لم تكن هناك أرض.

 

لم تكن هناك طبقات من الغيوم.

 

لم يكن هناك فراغ.

 

كان هناك هيكل هائل.

 

شيء يمتد إلى مسافات لا تستطيع العين إدراك نهايتها.

 

جدران سوداء.

 

دوائر ضوئية.

 

ممرات ضخمة.

 

وأبواب كثيرة.

 

وكانت أوريال ونيرافا معلقتين فوقه كما لو أنهما قطعتان صغيرتان من شيء أكبر بكثير.

 

قالت سيرا:

 

“هذا موجود تحتنا منذ متى؟”

 

لم يجب أحد.

 

كانت تقف في أحد شوارع أوريال، تنظر إلى الفراغ الذي انكشف أسفل المدينة.

 

وبجانبها كان كايان يحاول تشغيل جهازه.

 

قال كايان:

 

“لا أستطيع الوصول إلى أي سجل.”

 

قالت سيرا:

 

“حتى بعد استعادة الذاكرة؟”

 

أجاب كايان:

 

“المشكلة ليست في الذاكرة.”

 

نظر إلى الشاشة.

 

قال كايان:

 

“المشكلة أن النظام نفسه لا يعرف ما الذي يراه.”

 

في اللحظة نفسها ظهرت أمامهما رسالة:

 

“تحذير.”

 

ثم:

 

“الطبقة السفلية ليست جزءًا من أوريال.”

 

ثم ظهرت جملة أخرى:

 

“أوريال مبنية فوقها.”

 

حدقت سيرا في الشاشة.

 

قالت سيرا:

 

“إذن ماذا تكون؟”

 

أجاب كايان:

 

“لا أعرف.”

 

ثم ظهرت جملة جديدة.

 

“الاسم الأصلي: غير مسجل.”

 

لكن بعد ثوانٍ…

 

تغيرت الرسالة.

 

“الاسم الأصلي: نِهَايَة.”

 

تراجع كايان.

 

قال كايان:

 

“هذا ليس اسم مكان.”

 

قالت سيرا:

 

“ماذا تقصد؟”

 

قال كايان:

 

“هذا اسم وظيفة.”

 

ثم نظر إلى سيرا.

 

وقال:

 

“كأن المكان لم يُبنَ ليعيش فيه أحد.”

 

في مكان آخر من أوريال، كانت نورا تقف بين مجموعة من الناس الذين بدأوا يستعيدون ذكرياتهم.

 

قال رجل:

 

“أتذكر الآن.”

 

التفتت نورا إليه.

 

قالت نورا:

 

“ماذا تتذكر؟”

 

أجاب الرجل:

 

“كنا هنا.”

 

قالت نورا:

 

“منذ متى؟”

 

قال الرجل:

 

“لا أعرف.”

 

ثم نظر إلى السماء.

 

وقال:

 

“لكنني أتذكر أنني كنت أهرب.”

 

قالت نورا:

 

“من ماذا؟”

 

لم يجب.

 

لأنه في اللحظة نفسها ظهر شيء أسود في السماء.

 

شيء يشبه جناحًا ضخمًا.

 

ثم اختفى.

 

أما فوق نيرافا…

 

فقد كانت إيرا واقفة على أعلى برج في المدينة.

 

كانت تنظر إلى أوريال.

 

ولأول مرة، لم تكن ترى المدينة الحمراء كعدو.

 

كانت تراها كجزء من شيء واحد.

 

وصل إليها صوت من خلفها.

 

قال أحد حراس نيرافا:

 

“إيرا.”

 

لم تلتفت.

 

قال الحارس:

 

“يجب أن تنزلي.”

 

قالت إيرا:

 

“لماذا؟”

 

قال الحارس:

 

“المدينة لم تعد آمنة.”

 

ابتسمت إيرا بحزن.

 

قالت إيرا:

 

“لم تكن آمنة منذ البداية.”

 

ثم أضافت:

 

“نحن فقط لم نكن نعرف.”

 

اقترب الحارس.

 

قال الحارس:

 

“ماذا تعنين؟”

 

قالت إيرا:

 

“أوريال ونيرافا لم تكونا مدينتين.”

 

نظر إليها الحارس باستغراب.

 

قالت إيرا:

 

“كانتا قفلين.”

 

وفي اللحظة نفسها…

 

انفجر الضوء الأحمر في قلب نيرافا.

 

ثم ظهر صوت المرأة في جميع أنحاء المدينة.

 

قالت المرأة:

 

“لا تفتحوا الطبقة السفلية.”

 

لكن كلماتها لم تعد تحمل القوة نفسها.

 

فقد بدأ الناس يتذكرون أنها ليست مجرد امرأة.

 

كانت واحدة من الذين صنعوا كل شيء.

 

وبدأ بعضهم يتذكرون اسمها.

 

ثم بدأ الاسم يظهر على الشاشات.

 

“المُنشِئة الأولى.”

 

وفي أوريال…

 

ظهر الاسم نفسه.

 

لكن تحته كانت هناك كلمة واحدة:

 

“خيانة.”

 

سمع إيلان الرسالة داخل الفراغ الأبيض.

 

نظر إلى المرأة.

 

قال إيلان:

 

“ماذا فعلتِ؟”

 

لم تجب.

 

قال إيلان:

 

“أنتِ قلتِ إنك صنعتِني لأحمل الذاكرة.”

 

قالت المرأة:

 

“نعم.”

 

قال إيلان:

 

“وقلتِ إن أوريال صُنعت للجسد.”

 

قالت المرأة:

 

“نعم.”

 

قال إيلان:

 

“ونيرافا للذاكرة.”

 

قالت المرأة:

 

“نعم.”

 

اقترب إيلان منها.

 

قال إيلان:

 

“لكن هذا المكان…”

 

وأشار إلى الأسفل.

 

وقال:

 

“ماذا صنع؟”

 

صمتت المرأة.

 

تقدم الطفل الآخر.

 

وقال:

 

“هو لم يصنعنا.”

 

نظرت إليه المرأة.

 

قال الطفل:

 

“هو كان ينتظرنا.”

 

قالت المرأة:

 

“أنت لا تعرف ما تتحدث عنه.”

 

أجاب الطفل:

 

“أنا أتذكر.”

 

ثم أضاف:

 

“وهذا هو الشيء الذي تخافين منه.”

 

ظهر الغضب على وجه المرأة.

 

قالت المرأة:

 

“إذا تذكرت كل شيء، ستفهم لماذا فعلنا ذلك.”

 

قال إيلان:

 

“إذن دعيني أتذكر.”

 

رفعت المرأة يدها.

 

فجأة ظهرت حول إيلان عشرات الأبواب.

 

باب أبيض.

 

باب أسود.

 

باب أحمر.

 

باب أزرق.

 

باب بنفسجي.

 

وباب بلا لون.

 

ثم ظهر باب صغير.

 

كان بحجم طفل.

 

حدق إيلان فيه.

 

قال إيلان:

 

“هذا الباب…”

 

قال الطفل الآخر:

 

“نعم.”

 

قال إيلان:

 

“أنا أعرفه.”

 

أجاب الطفل:

 

“لأنك كنت خلفه.”

 

اقترب إيلان.

 

وضع يده على الباب.

 

فتوقف كل شيء.

 

ثم سمع صوت طفل.

 

صوت صغير.

 

خائف.

 

قال الصوت:

 

“هل ستأتي هذه المرة؟”

 

تجمد إيلان.

 

قال إيلان:

 

“من أنت؟”

 

أجاب الصوت:

 

“أنا أنت.”

 

تراجع إيلان.

 

قال إيلان:

 

“هذا مستحيل.”

 

قال الطفل الآخر:

 

“ليس أنت.”

 

ثم نظر إليه.

 

وقال:

 

“إنه الشخص الذي كنت عليه قبل أن يصنعوك.”

 

ظهر وجه المرأة فجأة.

 

قالت المرأة:

 

“لا تفتح الباب.”

 

نظر إليها إيلان.

 

قال إيلان:

 

“لماذا؟”

 

قالت المرأة:

 

“لأنك إذا فتحته…”

 

سكتت.

 

ثم قالت:

 

“ستعرف لماذا احتجنا إلى مئة وثمانية عشر محاولة.”

 

قال إيلان:

 

“وماذا حدث في المحاولة صفر؟”

 

للمرة الأولى…

 

ظهر الخوف الحقيقي في عينيها.

 

قالت المرأة:

 

“لم تكن هناك محاولة صفر.”

 

قال إيلان:

 

“لكن النظام قال إن هناك.”

 

قالت المرأة:

 

“لأن النظام لم يعد تحت سيطرتي.”

 

اقترب الطفل الآخر.

 

وقال:

 

“لأن المحاولة صفر ليست رقمًا.”

 

سأله إيلان:

 

“إذن ماذا تكون؟”

 

قال الطفل:

 

“اسم الشخص.”

 

ساد الصمت.

 

قال إيلان:

 

“شخص؟”

 

أجاب الطفل:

 

“نعم.”

 

ثم رفع يده.

 

ظهر الرقم صفر.

 

وقال:

 

“كان هناك شخص واحد.”

 

ثم:

 

“هو الذي بدأ كل شيء.”

 

قال إيلان:

 

“من هو؟”

 

نظر الطفل إلى الرجل السادس.

 

كان الرجل واقفًا بعيدًا.

 

وعندما التقت أعينهما…

 

خفض الرجل رأسه.

 

قال إيلان:

 

“أنت تعرف.”

 

قال الرجل السادس:

 

“نعم.”

 

قال إيلان:

 

“من هو صاحب الصفر؟”

 

رفع الرجل السادس رأسه.

 

وقال:

 

“أنت.”

 

توقف إيلان.

 

قال إيلان:

 

“أنا؟”

 

قال الرجل السادس:

 

“ليس أنت الذي تقف هنا.”

 

ثم أضاف:

 

“أنت الذي كان هنا قبل كل شيء.”

 

اقترب إيلان منه.

 

قال إيلان:

 

“لماذا لم تخبرني؟”

 

أجاب الرجل السادس:

 

“لأنك طلبت مني ألا أفعل.”

 

قال إيلان:

 

“أنا؟”

 

قال الرجل السادس:

 

“أنت.”

 

ثم نظر إلى آرين.

 

وقال:

 

“وأنت طلبت مني أن أنقذ الطفل.”

 

ثم نظر إلى الطفل الآخر.

 

وقال:

 

“وأنت طلبت مني أن أحفظ الذاكرة.”

 

ثم عاد بنظره إلى إيلان.

 

وقال:

 

“وفي النهاية…”

 

توقف.

 

قال إيلان:

 

“ماذا؟”

 

أجاب الرجل السادس:

 

“أمرتني أن أقتلَك.”

 

تجمدت إيرا.

 

قالت إيرا:

 

“ماذا؟”

 

قال الرجل السادس:

 

“هذا هو الشيء الذي لم أستطع فعله.”

 

نظر إليه إيلان.

 

قال إيلان:

 

“أنت كنت الشخص الذي قتلني.”

 

قال الرجل السادس:

 

“لا.”

 

قال إيلان:

 

“لكنني رأيتك.”

 

أجاب الرجل السادس:

 

“رأيتَ رجلًا يشبهني.”

 

قال إيلان:

 

“ومن كان؟”

 

قال الرجل السادس:

 

“المحاولة الأولى.”

 

سكت الجميع.

 

ثم بدأ الطفل الآخر يبكي.

 

لم يكن بكاءً عاديًا.

 

كان كأن مئات الذكريات خرجت من داخله في لحظة واحدة.

 

قال الطفل:

 

“لا…”

 

اقترب منه آرين.

 

قال آرين:

 

“ماذا رأيت؟”

 

رفع الطفل عينيه.

 

وقال:

 

“تذكرت.”

 

قال آرين:

 

“ماذا؟”

 

أجاب الطفل:

 

“لم يكن إيلان الأول وحده.”

 

سأله إيلان:

 

“من كان معه؟”

 

رفع الطفل يده نحو السماء.

 

فانفتحت صورة ضخمة.

 

ظهرت فيها امرأة.

 

ثم إيرا.

 

ثم الرجل السادس.

 

ثم المرأة التي كانت أمامهم.

 

ثم ستة أطفال.

 

ثم…

 

طفل سابع.

 

تراجع إيلان.

 

قال إيلان:

 

“سبعة؟”

 

قال الطفل:

 

“كانوا سبعة.”

 

قال الرجل السادس:

 

“لا.”

 

ثم نظر إلى الصورة.

 

وقال:

 

“كانوا ثمانية.”

 

تغيرت الصورة.

 

ظهر شخص آخر.

 

لكن وجهه كان محوًا بالكامل.

 

قال إيلان:

 

“من هذا؟”

 

لم يجب الرجل السادس.

 

اقترب آرين.

 

نظر إلى الصورة.

 

ثم قال:

 

“إنه ليس شخصًا.”

 

قال إيلان:

 

“ماذا يكون؟”

 

رفع آرين عينيه.

 

وقال:

 

“إنه الشيء الذي صنع الأشخاص.”

 

وفجأة…

 

توقفت الصورة.

 

ثم ظهر وجه واحد فقط.

 

وجه بلا ملامح.

 

ثم بدأت ملامحه تتشكل ببطء.

 

عينان.

 

أنف.

 

فم.

 

وجه رجل.

 

وحين اكتمل الوجه…

 

كان وجه إيلان.

 

لكن الصوت الذي خرج منه لم يكن صوت إيلان.

 

قال الكيان:

 

“لقد تذكرتم كثيرًا.”

 

ثم انحنى قليلًا.

 

وقال:

 

“وحان الوقت لكي تتذكروا الثمن.”

 

اهتزت البوابة.

 

بدأت أوريال تهبط أكثر.

 

وبدأت نيرافا تهبط معها.

 

وفي المسافة بين المدينتين…

 

ظهر شيء لم يكن موجودًا من قبل.

 

طريق.

 

ليس طريقًا ضوئيًا.

 

ولا ممرًا.

 

ولا بوابة.

 

كان جسرًا حقيقيًا.

 

جسر يمتد من أوريال إلى نيرافا.

 

وعلى جانبيه ظهرت آلاف الأبواب.

 

باب لكل ذكرى.

 

باب لكل محاولة.

 

باب لكل شخص.

 

باب لكل موت.

 

ثم ظهر باب أخير.

 

في منتصف الجسر.

 

كان أكبر من كل الأبواب.

 

وعليه كلمة واحدة:

 

“البداية”

 

قال آرين:

 

“لا تفتحوه.”

 

قال إيلان:

 

“لماذا؟”

 

أجاب آرين:

 

“لأن الذي في الداخل…”

 

توقف.

 

ثم نظر إلى الطفل الآخر.

 

وقال:

 

“ليس نائمًا.”

 

أكمل الطفل الآخر:

 

“إنه ينتظر.”

 

وفي اللحظة نفسها…

 

تحرك مقبض باب البداية.

 

من الداخل.

 

ثم سُمع صوت طرق.

 

طرقة واحدة.

 

ثم ثانية.

 

ثم ثالثة.

 

وفي المرة الرابعة…

 

جاء صوت طفل صغير:

 

“أبي…”

 

تجمد إيلان.

 

قال الصوت:

 

“افتح.”

 

ثم:

 

“لقد تأخرت كثيرًا.”

 

رفع إيلان يده نحو الباب.

 

صرخ آرين:

 

“لا!”

 

لكن إيلان كان قد لمس المقبض.

 

وفي اللحظة التي بدأ فيها الباب بالانفتاح…

 

انطفأت كل الأضواء.

 

ثم جاء صوت واحد من خلف الباب:

 

“مرحبًا بك…”

 

وتوقف.

 

ثم أكمل:

 

“يا صاحب الصفر.”

 

انتظروا الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *