ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20261013 WA0001

 

الكاتب عبد الرحمن شعبان سعيد

 

لم يعد هناك نظام.

 

لم يعد هناك قانون.

 

لم تعد هناك مدينة.

 

ولم تعد هناك حرب.

 

لأن شيئًا أقدم من المدينتين…

 

كان قد فتح عينيه.

 

لم يسمع أحد صوتًا في البداية.

 

كان الصمت هو أول ما ظهر.

 

صمت كامل.

 

صمت لم تعرفه أوريال طوال تاريخها.

 

حتى الهواء توقف.

 

الممرات الضوئية تجمدت في أماكنها.

 

السفن بقيت معلقة في السماء.

 

والأشخاص الذين كانوا يقفون في الشوارع لم يستطيعوا تحريك أيديهم.

 

لم يكن ذلك شللًا.

 

كان أشبه بأن الزمن نفسه توقف عن الاعتراف بهم.

 

لكن إيلان كان يتحرك.

 

وإيرا كانت تتحرك.

 

وآرين كان يتحرك.

 

والطفل الآخر كان يتحرك.

 

أما الرجل السادس…

 

فكان واقفًا أمام البوابة، ينظر إليها كما لو أنه رأى شيئًا كان يتمنى ألا يراه مرة أخرى.

 

قال إيلان:

 

“ماذا يوجد هناك؟”

 

لم يرد الرجل السادس.

 

اقترب إيلان منه.

 

قال إيلان:

 

“أجبني.”

 

رفع الرجل السادس عينيه.

 

قال الرجل السادس:

 

“لا تسألني عما يوجد هناك.”

 

قال إيلان:

 

“لماذا؟”

 

أجاب الرجل السادس:

 

“لأن السؤال نفسه قد يوقظه أكثر.”

 

نظر إيلان إلى البوابة.

 

كان الضوء الأسود يتحرك ببطء.

 

لم يكن دخانًا.

 

ولم يكن طاقة.

 

كان شيئًا يشبه الظلام، لكنه كان يتحرك كما لو كان حيًا.

 

قال إيلان:

 

“لقد استيقظ بالفعل.”

 

قال الرجل السادس:

 

“ليس بالكامل.”

 

اقترب آرين.

 

قال آرين:

 

“لا يجب أن يكتمل.”

 

التفت إيلان إليه.

 

قال إيلان:

 

“كيف نوقفه؟”

 

أجاب آرين:

 

“لا أعرف.”

 

نظر الطفل الآخر إلى إيلان.

 

قال الطفل الآخر:

 

“أنا أعرف.”

 

سكت الجميع.

 

قال إيلان:

 

“إذن قل.”

 

قال الطفل الآخر:

 

“نحن لا نوقفه.”

 

قال إيلان:

 

“ماذا نفعل؟”

 

أجاب الطفل:

 

“نقرر من سيستيقظ.”

 

تجمد إيلان.

 

قال إيلان:

 

“من؟”

 

أشار الطفل إلى البوابة.

 

قال الطفل:

 

“هناك أكثر من واحد.”

 

في تلك اللحظة، خرج أول وجه من الظلام.

 

كان وجه رجل.

 

يشبه إيلان.

 

لكن ليس تمامًا.

 

كان أكبر سنًا.

 

ثم خرج وجه آخر.

 

امرأة.

 

ثم طفل.

 

ثم رجل آخر.

 

ثم امرأة أخرى.

 

مئات الوجوه بدأت تظهر واحدة تلو الأخرى.

 

لكن لم يخرج أي جسد.

 

كانت الوجوه معلقة داخل الظلام.

 

كأنها ذكريات تنتظر أن تجد أجسادًا.

 

قال إيرا:

 

“إنهم…”

 

توقفت.

 

نظر إليها إيلان.

 

قال إيلان:

 

“تعرفينهم؟”

 

هزت إيرا رأسها ببطء.

 

قالت إيرا:

 

“لا.”

 

ثم وضعت يدها على رأسها.

 

قالت إيرا:

 

“لكنني أتذكرهم.”

 

اقترب منها إيلان.

 

قال إيلان:

 

“ماذا تتذكرين؟”

 

أغمضت إيرا عينيها.

 

قالت إيرا:

 

“كنت هنا.”

 

قال إيلان:

 

“متى؟”

 

فتحت عينيها.

 

قالت إيرا:

 

“قبل أن تكون هناك أوريال.”

 

ثم نظرت إلى البوابة.

 

وقالت:

 

“وقبل أن تكون هناك نيرافا.”

 

لم يتكلم أحد.

 

حتى الرجل السادس لم يعترض.

 

قال إيلان:

 

“ماذا كانت هذه المدينة؟”

 

أجاب الرجل السادس:

 

“لم تكن مدينة.”

 

قال إيلان:

 

“إذن ماذا كانت؟”

 

قال الرجل السادس:

 

“مكانًا لصنع البشر.”

 

نظر إيلان إلى آرين.

 

ثم إلى الطفل الآخر.

 

ثم عاد إلى الرجل السادس.

 

قال إيلان:

 

“بشرًا مثلنا؟”

 

أجاب الرجل السادس:

 

“لا.”

 

قال إيلان:

 

“ماذا صنعوا؟”

 

نظر الرجل السادس إلى البوابة.

 

وقال:

 

“شيئًا لم يعرفوا كيف يوقفونه.”

 

في أوريال، بدأت الحركة تعود.

 

سقط بعض الأشخاص على الأرض.

 

بدأ آخرون يصرخون.

 

ثم ظهرت الذكريات.

 

ليست ذكريات شخصية.

 

بل ذكريات مشتركة.

 

كل سكان أوريال رأوا المشهد نفسه.

 

مكان أبيض.

 

غرفة ضخمة.

 

ستة أشخاص يقفون حول جهاز.

 

وفي المنتصف…

 

طفل.

 

ثم ظهر شخص سابع.

 

امرأة.

 

كانت المرأة نفسها التي قابلها إيلان في الفراغ الأبيض.

 

لكنها لم تكن وحدها.

 

كان بجوارها رجل لم يره إيلان من قبل.

 

قال الرجل:

 

“هل نجحت؟”

 

أجابت المرأة:

 

“ليس بعد.”

 

قال الرجل:

 

“وإذا فشلت؟”

 

أجابت المرأة:

 

“سنقسم الذاكرة.”

 

قال الرجل:

 

“والجسد؟”

 

أجابت المرأة:

 

“سنضعه في أوريال.”

 

ثم سأل الرجل:

 

“والذاكرة؟”

 

قالت المرأة:

 

“نيرافا.”

 

ثم ظهر صوت ثالث:

 

“وماذا عن الطفل؟”

 

سكتت المرأة.

 

ثم قالت:

 

“الطفل لا يجب أن يعرف.”

 

انتهت الذكرى.

 

عاد سكان أوريال إلى وعيهم.

 

لكن أحدًا لم يفهم ما رأى.

 

وفي نيرافا، حدث الشيء نفسه.

 

المدينة الحمراء امتلأت بالصراخ.

 

كل شخص رأى الذكرى نفسها.

 

لكن عند آخر لحظة…

 

ظهرت صورة مختلفة.

 

طفل صغير يركض في ممر.

 

وخلفه رجل يحمل وجه إيلان.

 

كان الرجل يصرخ:

 

“لا تفتح الباب.”

 

لكن الطفل لم يتوقف.

 

فتح الباب.

 

وانتهت الذكرى.

 

في اللحظة نفسها، ظهر الطفل الآخر أمام إيلان.

 

قال الطفل الآخر:

 

“الآن فهمت.”

 

قال إيلان:

 

“ماذا فهمت؟”

 

قال الطفل:

 

“لماذا كنت دائمًا تخاف من الباب.”

 

قال إيلان:

 

“أنا لا أتذكر أنني كنت أخاف منه.”

 

قال الطفل:

 

“لأن الخوف كان الشيء الوحيد الذي لم يستطيعوا حذفه.”

 

سكت إيلان.

 

قال إيلان:

 

“هل أنت ذاكرتي؟”

 

أجاب الطفل:

 

“أنا أكثر من ذلك.”

 

قال إيلان:

 

“ماذا تكون؟”

 

قال الطفل:

 

“أنا كل مرة حاولت فيها أن تتذكر.”

 

اقترب إيلان.

 

قال إيلان:

 

“وأين كانت كل تلك المرات؟”

 

أجاب الطفل:

 

“في داخلي.”

 

ثم وضع يده على صدره.

 

ظهر الرقم:

 

“117”

 

تراجع إيلان.

 

قال إيلان:

 

“أنت المحاولة رقم مئة وسبعة عشر؟”

 

قال الطفل:

 

“لا.”

 

ثم اختفى الرقم.

 

وظهر:

 

“117 ذاكرة”

 

ثم ظهر:

 

“118 جسد”

 

ثم:

 

“119 رابط”

 

قال إيلان:

 

“إذن آرين هو الرابط.”

 

قال الطفل:

 

“نعم.”

 

ثم نظر إلى إيلان.

 

وقال:

 

“وأنت الجسد.”

 

ثم نظر إلى نفسه.

 

وقال:

 

“وأنا الذاكرة.”

 

قال إيلان:

 

“وماذا يحدث إذا اجتمعنا؟”

 

لم يجب الطفل.

 

أجاب الرجل السادس بدلًا منه:

 

“يولد الشخص الذي حاولوا قتله.”

 

التفت الجميع إليه.

 

قال إيلان:

 

“من؟”

 

أجاب الرجل السادس:

 

“إيلان الأول.”

 

تغير وجه إيرا.

 

قالت إيرا:

 

“هذا مستحيل.”

 

نظر إليها الرجل السادس.

 

قال الرجل السادس:

 

“أنتِ رأيته.”

 

قالت إيرا:

 

“رأيت موته.”

 

قال الرجل السادس:

 

“لم تري موته.”

 

صمتت إيرا.

 

قالت إيرا:

 

“ماذا رأيت إذن؟”

 

قال الرجل السادس:

 

“رأيتِ جسده يموت.”

 

ثم أضاف:

 

“ولم تري أين ذهبت ذاكرته.”

 

انخفضت يد إيرا ببطء.

 

قالت إيرا:

 

“إلى الطفل.”

 

أجاب الرجل السادس:

 

“نعم.”

 

نظر إيلان إلى الطفل الآخر.

 

فهم فجأة.

 

قال إيلان:

 

“أنت كنت تحمل ذاكرته.”

 

أجاب الطفل:

 

“كنت أحمل أكثر من ذلك.”

 

قال إيلان:

 

“ماذا؟”

 

قال الطفل:

 

“كل النسخ التي جاءت بعده.”

 

ثم اقترب من إيلان.

 

وقال:

 

“كل نسخة كانت تبحث عنك.”

 

سأل إيلان:

 

“ولماذا؟”

 

قال الطفل:

 

“لأنك لم تكن نسخة جديدة.”

 

توقف.

 

ثم قال:

 

“كنت الطريق.”

 

فجأة…

 

اهتزت البوابة.

 

خرج منها صوت عميق.

 

صوت جعل السماء نفسها ترتجف.

 

قال الصوت:

 

“كفى.”

 

توقف الجميع.

 

ثم جاء الصوت مرة أخرى:

 

“لا تجمعوا الأجزاء.”

 

صرخ آرين:

 

“ابتعدوا عن البوابة.”

 

لكن الأوان كان قد فات.

 

ظهر ضوء أبيض حول إيلان.

 

وضوء أحمر حول إيرا.

 

وضوء أزرق بنفسجي حول آرين.

 

أما الطفل الآخر…

 

فأحاط به ظلام كامل.

 

ثم بدأت الألوان الأربعة تتحرك نحو بعضها.

 

صرخ الرجل السادس:

 

“لا.”

 

اندفع نحو إيلان.

 

لكن شيئًا غير مرئي أوقفه.

 

سقط الرجل على الأرض.

 

قال الرجل السادس:

 

“إنهم يريدون إعادتك.”

 

نظر إيلان إليه.

 

قال إيلان:

 

“من؟”

 

رفع الرجل السادس رأسه.

 

وقال:

 

“المحاولة صفر.”

 

انفتح جزء من البوابة.

 

ولأول مرة…

 

ظهر جسد خلف الوجوه.

 

كان رجلًا.

 

طويلًا.

 

بلا ملامح واضحة.

 

لكن عندما رفع رأسه…

 

ظهرت عينان.

 

ثم ظهر وجهه.

 

كان وجه إيلان.

 

لكن هذه المرة…

 

لم يكن نسخة.

 

ولم يكن محاولة.

 

ولم يكن ذكرى.

 

كان شيئًا آخر.

 

شيئًا أقدم.

 

قال الكيان:

 

“إيلان…”

 

ارتجف إيلان.

 

قال إيلان:

 

“من أنت؟”

 

اقترب الكيان من البوابة.

 

وقال:

 

“أنا السبب الذي جعلكم تنسون.”

 

قال إيلان:

 

“ولماذا؟”

 

أجاب الكيان:

 

“لأنكم عندما تذكرتم…”

 

توقف.

 

ثم ظهرت مئات الوجوه خلفه.

 

وقال:

 

“قتلتم العالم.”

 

سقط الصمت مرة أخرى.

 

قال إيلان:

 

“أي عالم؟”

 

اقترب الكيان أكثر.

 

وقال:

 

“العالم الذي كان يجب أن يبقى.”

 

ثم مد يده نحو إيلان.

 

وفجأة…

 

ظهر على صدر إيلان رمز الصفر.

 

لكن هذه المرة لم يكن ثابتًا.

 

بدأ يتحرك.

 

وكأنه قلب.

 

نبضة.

 

ثم نبضة.

 

ثم نبضة.

 

ومع كل نبضة…

 

كانت أوريال ترتفع.

 

وكانت نيرافا ترتفع.

 

ثم بدأت المدينتان تتحركان في اتجاه بعضهما.

 

قال آرين:

 

“لا.”

 

قال إيلان:

 

“ماذا يحدث؟”

 

أجاب آرين:

 

“إنهما لا تحاربان.”

 

نظر إيلان إلى المدينتين.

 

قال آرين:

 

“إنهما تعودان إلى مكانهما.”

 

ثم نظر إلى البوابة.

 

وقال:

 

“المكان الذي فُصلتا عنه.”

 

وفجأة…

 

ظهر صوت المرأة من كل مكان.

 

قالت المرأة:

 

“إيلان…”

 

التفت إيلان.

 

قالت المرأة:

 

“إذا سمحت للمدينتين بالعودة…”

 

توقفت.

 

ثم قالت:

 

“فلن تعود أوريال.”

 

وسكتت لحظة.

 

ثم أضافت:

 

“ولن تعود نيرافا.”

 

قال إيلان:

 

“وماذا سيعود؟”

 

جاءت الإجابة من البوابة.

 

لكنها لم تكن من المرأة.

 

كانت من الكيان.

 

قال الكيان:

 

“أنا.”

 

وفي اللحظة نفسها…

 

أغلقت السماء فوق المدينتين.

 

وبدأ شيء هائل…

 

يستيقظ تحت أوريال ونيرافا.

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *