الكاتب عبد الرحمن شعبان سعيد
“مرحبًا بك…”
ثم:
“يا صاحب الصفر.”
لم يتحرك إيلان.
بقيت يده فوق المقبض.
لم يكن الباب قد فتح بالكامل.
كان هناك شق ضيق فقط، يخرج منه ضوء أبيض شديد السطوع، لكنه لم يكن يضيء المكان.
كان يبتلع الضوء من حوله.
حتى الجسر الذي يصل بين أوريال ونيرافا بدأ يختفي في الظلام.
قال آرين:
“إيلان، ارفع يدك.”
لم يجب إيلان.
كان يسمع صوتًا آخر.
صوتًا يعرفه.
صوت طفل.
لكن هذه المرة لم يكن الصوت آتيًا من خلف الباب فقط.
كان داخل رأسه.
قال الطفل:
“ألم تعدني؟”
أغلق إيلان عينيه.
ظهرت صورة.
مكان أبيض.
رجل صغير يجلس على الأرض.
كان في يده شيء يشبه قطعة زجاج مضيئة.
وكان أمامه طفل آخر.
قال الطفل:
“إذا نسيتني…”
ثم ابتسم.
وقال:
“سأذكرك.”
فتح إيلان عينيه.
قال إيلان:
“أنت…”
توقف الصوت.
ثم قال:
“تذكرتني.”
ارتجف الباب.
قال الرجل السادس:
“لا تجبه.”
التفت إيلان إليه.
قال إيلان:
“لماذا؟”
أجاب الرجل السادس:
“لأن صاحب الصوت لا يريد منك أن تسمعه.”
قال إيلان:
“إذن ماذا يريد؟”
قال الرجل السادس:
“يريد منك أن تتذكر.”
قال إيلان:
“وما المشكلة في ذلك؟”
اقترب الرجل السادس.
وقال:
“المشكلة أنك إذا تذكرت من كنت…”
ثم نظر إلى البوابة.
وقال:
“ستنسى من أصبحت.”
صمت إيلان.
قالت إيرا:
“لا تصدقه.”
نظر إليها.
قالت إيرا:
“ولا تصدق المرأة.”
ثم نظرت إلى الرجل السادس.
وقالت:
“ولا تصدقه هو أيضًا.”
التفت إليها الرجل السادس.
قال الرجل السادس:
“أنتِ تعرفين شيئًا.”
قالت إيرا:
“وأنت تعرف أنني أعرف.”
قال إيلان:
“إيرا، ماذا تعرفين؟”
أجابت إيرا:
“أننا مررنا بهذا من قبل.”
قال إيلان:
“كم مرة؟”
قالت إيرا:
“لا أعرف.”
ثم أضافت:
“لكنني أعرف أنني كنت دائمًا أصل إلى هذا الباب.”
سألها إيلان:
“وماذا كنت تفعلين؟”
قالت إيرا:
“كنت أفتحه.”
نظر إيلان إلى الباب.
قال إيلان:
“ثم ماذا يحدث؟”
خفضت إيرا عينيها.
وقالت:
“كنت أنساك.”
ساد الصمت.
اقترب آرين.
قال آرين:
“وهذه المرة لن يحدث ذلك.”
نظر إليه إيلان.
قال إيلان:
“كيف تعرف؟”
أجاب آرين:
“لأنني لم أكن موجودًا في المرات السابقة.”
ثم أشار إلى الطفل الآخر.
وقال:
“وهو لم يكن منفصلًا عني.”
نظر الطفل الآخر إلى إيلان.
قال الطفل الآخر:
“هذه أول مرة نجتمع فيها.”
قال إيلان:
“إذن هذا هو السبب.”
قال الطفل:
“جزء من السبب.”
قال إيلان:
“وما الجزء الآخر؟”
نظر الطفل إلى الباب.
وقال:
“أنك هذه المرة لم تمت.”
ساد الصمت.
كانت الجملة بسيطة.
لكنها أصابت إيلان بقوة.
قال إيلان:
“كنت أموت كل مرة؟”
أجاب الطفل:
“تقريبًا.”
قال إيلان:
“من كان يقتلني؟”
قال الطفل:
“أنت.”
تجمد إيلان.
قال إيلان:
“أنا؟”
قال الطفل:
“كنت تختار الموت في كل مرة.”
قال إيلان:
“لماذا؟”
أجاب الطفل:
“لأنك كنت تعرف ما سيحدث إذا بقيت حيًا.”
اقتربت إيرا.
قالت إيرا:
“لا.”
نظر إليها الطفل.
قالت إيرا:
“لا تقل له.”
قال الطفل:
“لقد حان الوقت.”
قالت إيرا:
“ليس بعد.”
تدخل الرجل السادس.
قال الرجل السادس:
“الحقيقة ليست ما سيحدث له.”
ثم نظر إلى إيلان.
وقال:
“الحقيقة هي ما سيحدث للجميع إذا عرف.”
في تلك اللحظة…
فتح الباب نصفه الآخر.
واندفع الضوء إلى الجسر.
لكن بدلًا من أن يضيء المكان…
اختفى كل شيء.
أوريال.
نيرافا.
الجسر.
الوجوه.
حتى إيرا وآرين والرجل السادس.
لم يبقَ سوى إيلان.
كان يقف في فراغ أبيض.
وأمامه رجل.
رجل يشبهه تمامًا.
لكن هذه المرة لم يكن شابًا.
كان أكبر سنًا.
وجهه يحمل آثار سنوات طويلة.
وعيناه تحملان شيئًا لم يستطع إيلان تفسيره.
قال الرجل:
“تأخرت.”
قال إيلان:
“من أنت؟”
أجاب الرجل:
“أنت تعرف.”
قال إيلان:
“أنا لا أعرف.”
ابتسم الرجل.
وقال:
“لأنهم جعلوك تنسى حتى السؤال.”
اقترب إيلان.
قال إيلان:
“هل أنت إيلان الأول؟”
هز الرجل رأسه.
قال الرجل:
“لا.”
توقف إيلان.
قال الرجل:
“أنا قبل إيلان الأول.”
سأل إيلان:
“كيف؟”
أجاب الرجل:
“لأن إيلان الأول لم يكن الأول.”
ظهر خلف الرجل عدد هائل من الأبواب.
كل باب يحمل رقمًا.
“1”
“2”
“3”
“17”
“41”
“89”
“117”
“118”
“119”
ثم ظهر باب بلا رقم.
قال الرجل:
“كل هذه الأبواب كانت لك.”
قال إيلان:
“وأين الباب صفر؟”
أشار الرجل إلى نفسه.
قال:
“أنا الباب صفر.”
لم يفهم إيلان.
قال إيلان:
“أنت شخص.”
قال الرجل:
“كنت.”
ثم اقترب أكثر.
وقال:
“لكنهم عندما فشلوا في صنع شخص يستطيع حمل كل الذاكرة…”
توقف.
ثم قال:
“حوّلوني إلى مكان.”
نظر إيلان إليه.
قال إيلان:
“مكان؟”
أجاب الرجل:
“نعم.”
ثم فتح يده.
ظهر داخلها مشهد.
ستة أشخاص يقفون في غرفة.
وكان بينهم طفل صغير.
لكن الطفل لم يكن آرين.
ولم يكن الطفل الآخر.
كان إيلان.
طفلًا.
وقف أمامه الرجل نفسه.
قال الرجل في الذكرى:
“هل أنت خائف؟”
أجاب الطفل:
“نعم.”
قال الرجل:
“هذا جيد.”
سأله الطفل:
“لماذا؟”
أجاب الرجل:
“لأن الخوف هو الشيء الوحيد الذي لم نستطع صنعه.”
تغيرت الصورة.
ظهر العلماء وهم يتجادلون.
قال أحدهم:
“إذا تمكنا من إزالة الخوف، سنصنع مجتمعًا كاملًا.”
قال آخر:
“لا.”
ثم أضاف:
“إذا أزلنا الخوف، سنزيل الاختيار.”
ظهر صوت المرأة.
قالت:
“إذن سنصنع إنسانًا يختار دون أن يخاف.”
تغير المشهد.
ظهر الطفل.
كان إيلان.
وضعوا أمامه بابين.
باب أبيض.
وباب أسود.
قال صوت:
“اختر.”
ظل الطفل ينظر إليهما.
ثم سأل:
“ماذا يوجد خلفهما؟”
لم يجبه أحد.
قال الطفل:
“إذن لن أختار.”
توقف المشهد.
نظر الرجل إلى إيلان.
وقال:
“هذه كانت اللحظة التي بدأت فيها المشكلة.”
قال إيلان:
“لأنني رفضت الاختيار؟”
قال الرجل:
“لأنك سألت السؤال الذي لم يكن يجب أن تسأله.”
قال إيلان:
“ما هو؟”
اقترب الرجل من أذنه.
وقال:
“لماذا يجب أن أختار أصلًا؟”
تراجع إيلان.
بدأت الصور تتحرك حوله بسرعة.
أوريال.
نيرافا.
إيرا.
آرين.
الطفل الآخر.
ليارا.
الرجل السادس.
المحاولات.
الأبواب.
الموت.
كل شيء مر أمام عينيه.
ثم ظهر مشهد لم يره من قبل.
إيلان يقف في غرفة ضخمة.
وبجواره إيرا.
وبينهما طفلان.
آرين.
والطفل الآخر.
لكن الطفلين كانا أكبر سنًا.
وكانت أوريال ونيرافا خلفهما.
قالت إيرا:
“علينا أن نفعلها الآن.”
قال إيلان:
“إذا فعلنا ذلك، سيموت الجميع.”
قالت إيرا:
“وإذا لم نفعل، سيبقى الجميع سجناء.”
ثم ظهر الرجل السادس.
قال الرجل السادس:
“لديكم دقيقة واحدة.”
قال إيلان:
“لا.”
قال الرجل السادس:
“إيلان…”
قال إيلان:
“لن أختار بين المدينتين.”
قال الرجل السادس:
“إذن ماذا ستختار؟”
نظر إيلان إلى إيرا.
ثم إلى الطفلين.
وقال:
“سأختار أن أُبقيهما معًا.”
صرخت المرأة من خلفهم:
“لا يمكنك.”
قال إيلان:
“لماذا؟”
قالت المرأة:
“لأنك إذا جمعت الجسد والذاكرة والرابط…”
توقفت.
قال إيلان:
“ماذا؟”
أجابت:
“ستعيد الصفر.”
توقفت الصورة.
عاد الفراغ الأبيض.
قال إيلان:
“أنا فعلت ذلك.”
أجاب الرجل:
“نعم.”
قال إيلان:
“ولهذا قتلت نفسي.”
قال الرجل:
“لا.”
قال إيلان:
“إذن لماذا؟”
اقترب الرجل.
وقال:
“لأنك عندما اكتشفت ما هو الصفر…”
توقف.
ثم قال:
“اكتشفت أنه ليس شيئًا صنعناه.”
سأل إيلان:
“إذن ماذا يكون؟”
ابتسم الرجل.
وقال:
“شيئًا صنعنا منه.”
تراجع إيلان.
قال إيلان:
“من ماذا؟”
أجاب الرجل:
“منك.”
ثم انفتح الفراغ كله.
وظهر تحت إيلان مشهد هائل.
لم تكن هناك أوريال.
ولا نيرافا.
ولا مدينة بيضاء.
كان هناك جسد هائل نائم تحت المنشأة.
جسد لا يشبه الإنسان.
لكن وجهه…
كان وجه إيلان.
قال الرجل:
“أنت لم تكن التجربة.”
ثم:
“أنت كنت المصدر.”
نظر إيلان إلى الجسد.
وقال:
“إذن ماذا صنعوا؟”
أجاب الرجل:
“صنعوا مدينتين…”
ثم:
“وصنعوا مئة وثمانية عشر نسخة…”
ثم:
“وصنعوا آرين…”
ثم:
“وصنعوا الذاكرة…”
ثم اقترب من إيلان.
وقال:
“لكنهم لم يستطيعوا صناعة شيء واحد.”
سأله إيلان:
“ما هو؟”
قال الرجل:
“نسخة منك لا تختار.”
ثم اختفى.
وعاد الجسر.
وعادت أوريال.
وعادت نيرافا.
وعاد آرين.
وعاد الطفل الآخر.
وعادت إيرا.
لكن شيئًا تغير.
كان إيلان واقفًا في منتصف الجسر.
وعلى صدره…
لم يعد رمز الصفر مجرد علامة.
كان يتحرك.
ثم انفتح.
خرج منه ضوء أسود.
صرخ آرين:
“أبي!”
اقتربت إيرا.
قالت إيرا:
“إيلان، انظر إلي.”
رفع إيلان عينيه إليها.
لكن عينيه لم تعودا كما كانتا.
قالت إيرا:
“إيلان…”
أجابها بصوت هادئ:
“أنا بخير.”
ثم نظر إلى آرين.
وقال:
“لكنني الآن أتذكر.”
تراجع آرين.
قال آرين:
“ماذا تذكرت؟”
نظر إيلان إلى البوابة.
وقال:
“لماذا صنعت أوريال.”
ثم إلى نيرافا.
وقال:
“ولماذا صنعت نيرافا.”
ثم نظر إلى الطفل الآخر.
وقال:
“ولماذا وُجدت أنت.”
ثم نظر إلى آرين.
وقال:
“ولماذا وُجدت أنت.”
وأخيرًا…
نظر إلى إيرا.
وقال:
“ولماذا كنتِ تموتين معي في كل مرة.”
بكت إيرا.
قالت إيرا:
“إيلان…”
اقترب منها.
وقال:
“هذه المرة لن أموت.”
ثم سكت.
وأضاف:
“لكن هناك شخصًا آخر سيموت.”
تجمد الجميع.
قال الرجل السادس:
“من؟”
رفع إيلان عينيه نحو السماء.
وقال:
“صاحب الصفر.”
ثم ظهر خلفه الكيان.
نفس الوجه.
نفس العينين.
نفس الصوت.
لكن هذه المرة…
انحنى الكيان أمام إيلان.
وقال:
“أخيرًا…”
ثم:
“عاد صاحبي.”
انتظر الجزء القادم
![]()
