ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20260917 WA0076(2)

 

الكاتبة: عاليا عجيزة 

 

في عرض البحر المفتوح، حيث تتلاقى زرقة السماء الفسيحة بزرقة المياه العميقة الصافية، كانت السفينة تمضي بثبات، متجاوزةً الأمواج المتراقصة كأنها ترقص طربًا لسلامة العبور. مرّت الأيام والليالي حاملةً معها سكونًا لطيفًا وعميقًا لم تعرفه طوال القرون الماضية؛ لم تعد هناك كاتدرائية مظلمة، ولا أشباح منتظرة خلف الأقواس، ولا أسرار قاتمة تطارد خطواتها في عتمة الليل. أصبحت الأيام تمضي خفيفة كنسيم الصباح العليل، والليالي تضيئها نجوم ساطعة لا يشوبها خوف أو قلق أو تردد.

 

جلست في إحدى زوايا سطح السفينة الهادئة، وأخرجت ورقة بيضاء جديدة وقلمها الحبر البسيط، لتكتب أولى كلمات فصلها الأخير وخاتمة رحلتها الطويلة: «الحرية الحقيقية ليست مكانًا جغرافيًّا نصل إليه بعد عناء، بل هي حالة روح تتجرد من قيود الماضي وأغلاله لتولد من جديد في رحاب النور». كانت تدرك تمامًا أن القصة التي بدأت في كنف القصر الملكي وأروقته المظلمة قد وجدت خاتمتها الحقيقية والمنصفة هنا، لا في قيود العروش والسلطة المزيّفة، بل في سعة الكون ورحابته التي لا تميّز بين أحد.

 

عندما أشرقت شمس اليوم الجديد ساطعةً ودافئةً، معلنةً بلوغ السفينة لشاطئ جزيرة ساحرة وغنّاء، تحيط بها المياه الفيروزية الصافية من كل اتجاه، استعدت للنزول لتكتب صفحتها المستقلة. ودّعت القبطان الطيب وطاقم السفينة بابتسامة امتنان صامتة تحمل كل معاني التقدير، وخطت أولى خطواتها الثابتة على رمال الجزيرة البيضاء الناعمة. لم تلتفت خلفها أبدًا، ولم تسترجع أي ذكرى من ذلك الماضي الموغل في الحزن، بل ركضت بخفة روحها المتحررة نحو الداخل الأخضر المليء بالحياة والأشجار الكثيفة والزهور البرية المتنوعة.

 

كانت تلك هي خطوتها الأخيرة نحو تأسيس أسطورتها الخاصة؛ أسطورة لا تُكتب في دهاليز القصور ولا تحفظها جدران الحجر، بل تُنسج أبديًّا في ضوء الشمس الدافئ وحرية الأفق المطلق، لتغلق بذلك آخر أوراق الحكاية، وتترك خلفها إرثًا من النور وال

سلام الأبدي.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *