ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20260917 WA0076(1)

 

الكاتبه عاليا عجيزة

 

 

واصلت صعودها نحو القمة العليا للجبل، حيث كان السحاب يلتف حول الصخور القاسية كأنه نسيج ناعم يستر دروب المغامرين. كلما ارتفعت قدمها خطوة، كلما تضاءلت أطلال القصر الملكي في ذاكرتها، حتى غدت مجرد حكايات غابرة لا تمس واقعها الجديد. لم تعد تبحث عن خلاص من لعنة أو إجابة لسر قديم، بل أصبحت تبحث عن كنه نفسها بعيدًا عن ألقاب السلالات وظلال العروش.

 

في أعلى نقطة من المنحدر، ظهرت لها كهوف طبيعية نحتتها الرياح عبر آلاف السنين. دخلت أحدها لتستريح من عناء الطريق، فوجدت على جدرانه الحجرية رسومًا بدائية تركها عابرو سبيل قدامى؛ أشكالًا لطيور، وشموسًا متشرقة، وأيدي ممدودة نحو الأفق. لم تكن تلك النقوش تتحدث عن خيانات أو ملكيات زائلة، بل كانت تنبض ببساطة الوجود الإنساني وشغفه بالحرية.

 

جلست عند مدخل الكهف، وأخرجت قطعة صغيرة من القماش الأبيض كانت قد قطعتها من ردائها القديم، واستخدمت فحمًا أحمر وجدت أثره بين الصخور لتخطّ عليه أفكارها وخواطرها. لأول مرة في حياتها، لم تكن تكتب وثيقة ملكية أو تعويذة أثيرية، بل كانت تكتب قصيدتها الخاصة عن الطبيعة، وعن الشروق الذي يتجدد كل يوم دون استئذان من أحد.

 

شعر قلبها بالسكينة وهي ترى حبرها الفحمي يمتزج بنسيج القماش، مدركة أن القلم حين يتحرر من سلطة القصور يصبح أصدق وأنفذ إلى الروح. ومع هبوط المساء، أضاءت شعاعًا صغيرًا من النور الدافئ بين يديها، ليس لتطرد عتمة الكهف، بل لتؤنس جدرانه وتواصل كتابة فصلها الجديد تحت حراسة النجوم.

 

الورقة الرابعة عشرة (14)

 

عندما انبثقت أشعة الصباح الاستوائي لتملأ الكهف بضوء ذهبي دافئ، كانت قد أتمت كتابة أوراقها الأخيرة على أقمشة الجبل. خرجت إلى الفضاء المفتوح، واستنشقت نسيم القمم العليل الذي يحمل أريج الزهور النادرة. من هذا الارتفاع الشاهق، كانت تستطيع رؤية أفقٍ غير محدود يمتد وراء القرى والممالك القديمة، حيث تتصل الأراضي ببحار ومحيطات لم يُكتب عنها في المخطوطات الملكية.

 

طوت الأقمشة المكتوبة بعناية، ووضعتها داخل تجويف حجري أملس عند مدخل الكهف، لتكون شاهدًا لمن يأتي بعدها من عابري الدروب؛ رسالة تفيد بأن الحرية الحقيقية تبدأ حين يجرؤ المرء على ترك الماضي خلف ظهره دون التفات. ثم التفتت نحو المسار المنحدر من الناحية الأخرى للجبل، وهو طريق يؤدي إلى ميناء قديم تبتسم عنده السفن للرياح.

 

بدأت نزولها بثبات ونشاط، والابتسامة لا تفارق وجهها الصافي. لم تعد الشبح المحتجز في الكاتدرائية، ولا الشاهدة الحزينة على خيانات الدهاليز، بل أصبحت مسافرة حرة تملك قرارها وحاضرها. كانت تعلم أن القصة التي بدأت في دهاليز القصر الملكي قد اكتملت دائرتها تمامًا، وأن الأسرار قد جرى كشفها وتطهيرها من أدران الظلم.

 

مع كل خطوة نحو الميناء المفتوح، كان صدى أمواج البحر البعيدة يتسلل إلى مسامعها كأنه معزوفة ترحيب بعالمها الجديد. خطت بثقة نحو الأفق الساحر، متطلعة لإبحارٍ جديد بلا قيود، لتطوي بذلك آخر أوراق الأسطورة، وتفتح كتابًا بلا نهاية لروحٍ أثيرية اختارت الخلود في رحاب الحرية.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *