الكاتبة منة الله محمد
أجلسُ على الأرض، لا أعرف كم مرّ من الوقت.
كل شيء تجرّد من معناه،
حتى الزمن نفسه صار شبحًا يمرّ بجانبي كالغرباء الذين لا يلقون السلام.
أنا هنا، في زاويةٍ تبدو منسيّة من كل شيء… من العالم، من الذاكرة، من اللهفة، من الحياة.
يداي تحاولان الإمساك بما تبقّى مني.
لا دفء، لا صوت، لا نجاة.
فقط هذا الركن، وهذا الغطاء الذي يشبهني… باهت كروحي، مرقّع كذاكرتي، ومرهق من تكرار الانكسار.
حول جسدي، كائنات تتنفس كأنها تنهش…
لا تلمسني، لكن وجودها يكفيني لأشعر بأنني أختنق.
أعينهم الحمراء… كأنها جراح تُفتح كلما نظرتُ إليها، لا تُغلق، لا تُنسى.
أفواههم، تلك التي تضحك وكأنها تستهزئ بكل لحظة ضعف عشتها.
هم لا يقتلونني، لكنهم يمتصّونني.
قطرة… قطرة…
ينهشونني بصبر قاتل، كأنهم اعتادوا التهام الأرواح المُرهقة مثلي.
وأنا؟
أنا لا أصرخ.
لأنني أعرف أنّ الصراخ لن يُعيدني.
لأنني صرخت كثيرًا من قبل،
ولم يسمعني أحد.
أحاول أن أتذكّر…
متى بدأت كلّ هذه الوحشة؟
متى صار عقلي مكانًا تسكنه الأشباح لا الأحلام؟
متى صار كل من أحببته ذكرى تترك ظلًا لا يرحل؟
كل وجه حولي له ماضٍ في قلبي.
وجه صديقة تركتني حين احتجت.
وجه وعدٍ طُمر تحت ركام النسيان، ولم يُنفذ.
وجه كلمة قاسية قلت إنني “نسيتها”، لكنني كنت أكذب.
إنهم لا يأتون من الخارج…
إنهم يخرجون من داخلي.
أنا من خلقتهم،
منحتهم أسماءً من جُرحي، وشكلاً من خيبتي،
ونفخت فيهم أنفاسي كلّما كتمت الألم.
والآن؟
ها هم حولي، يطالبونني أن أراهم. أن أعترف بوجودهم.
شيء بداخلي بدأ يتمرّد.
صوت صغير… خافت… لكنه عنيد.
يقول لي:
“إن كنتِ خائفة، لا تنكفئي. انظري لهم… قفي.”
أرفع رأسي.
عيوني تلتقي بعيونهم.
لأول مرة… لا أهرب.
لأول مرة، أنظر للخوف وأتذكّر أنني كنت يومًا قوية
أدركت حينها، أن الهروب من الأشباح لا ينقذ…
لكن النظر إليها يُضعفها.
الظلال لا تملك جسدًا…
إلا إذا منحتها أنتَ جسدك.
أنا لست بخير بعد، لكنني وقفت، ولو للمرة الأولى.
ولعلّ أول خطوات النجاة… أن تجرؤ على أن تقف، حتى وإن كنتَ تنزف.
![]()
