ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20261019 WA0003

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

لم يتحرك أحد.

 

ظل آدم واقفًا أمام الورقة الموضوعة على الطاولة.

 

“ثلاثة دخلوا القبو.”

 

“واحد فقط كان يعرف أنه لن يخرج.”

 

كان المصباح الصغير في هاتفه يتحرك مع أنفاسه، فيضيء وجوه الثلاثة للحظات ثم يعيدها إلى نصف الظلام.

 

سامر كان ينظر إلى الممر.

 

داليا كانت تضم الملف الأسود إلى صدرها.

 

أما آدم فكان ينظر إلى يده.

 

الشيء الذي قيل إن الدليل موجود فيه.

 

رفع يده أمام الضوء.

 

لم يجد شيئًا.

 

قال سامر:

 

“إحنا لازم نمشي.”

 

نظر إليه آدم.

 

“إنت عرفت مين دخل؟”

 

“لأ.”

 

“سمعت الخطوات.”

 

“أيوه.”

 

“يبقى لازم نعرف مين كان هنا.”

 

هز سامر رأسه.

 

“لو الشخص ده عايزك تعرفه، كان ساب لك اسمه.”

 

ردت داليا بهدوء:

 

“هو فعل.”

 

نظر إليها الاثنان.

 

فتحت الملف الأسود.

 

“بس الاسم مش مكتوب بالطريقة اللي إحنا متعودين عليها.”

 

وضعت صورة على الطاولة.

 

كانت صورة قديمة لمحطة الشرق.

 

لكن هذه المرة لم تكن صورة يوسف.

 

كان المكان فارغًا.

 

لا أشخاص.

 

لا سيارات.

 

لا حركة.

 

فقط باب المحطة والساعة المعلقة فوق المدخل.

 

قالت داليا:

 

“الصورة دي اتاخدت قبل اختفاء يوسف بساعات.”

 

اقترب آدم.

 

“مين صورها؟”

 

“ما نعرفش.”

 

“ومين لقاها؟”

 

“يوسف.”

 

رفع آدم عينيه إليها.

 

“إزاي؟”

 

أخرجت ورقة أخرى.

 

“الصورة كانت في جيبه.”

 

سكت آدم.

 

هذه المعلومة لم تكن موجودة في التقرير الرسمي.

 

فتح الملف الذي أمامه.

 

“ليه ما اتكتبتش في التحقيق؟”

 

داليا نظرت إلى سامر.

 

سامر لم يرد.

 

قالت:

 

“لأن الصورة اختفت من ملف التحقيق.”

 

آدم نظر إلى الورقة.

 

ثم إلى الصورة.

 

“واختفت إمتى؟”

 

“بعد اختفاء يوسف بيوم.”

 

“مين كان مسؤول عن الملف وقتها؟”

 

صمتت داليا.

 

ثم قالت:

 

“فؤاد سالم.”

 

تغير وجه آدم.

 

الاسم نفسه الذي ظهر في سجلات البطاقة القديمة.

 

الموظف الذي مات بعد ذلك بعام.

 

قال:

 

“فؤاد كان هو اللي أصدر البطاقة.”

 

“أيوه.”

 

“والبطاقة اتعملت بصورة مين؟”

 

نظرت داليا إليه.

 

“دي النقطة اللي لازم تركز فيها.”

 

أمسكت الصورة القديمة.

 

وقلبتها.

 

كان خلفها رقم.

 

17.

 

لكن بجوار الرقم هذه المرة كانت هناك كلمة أخرى.

 

“النسخة.”

 

قال آدم:

 

“نسخة إيه؟”

 

قال سامر:

 

“نسخة من الصورة.”

 

“فين الأصل؟”

 

لم يجب.

 

تدخلت داليا:

 

“الأصل مع يوسف.”

 

“يعني الصورة اللي معانا نسخة؟”

 

“أيوه.”

 

أخذ آدم الصورة.

 

نظر إلى حوافها.

 

ثم إلى الورق.

 

قال:

 

“النسخة دي اتعملت حديثًا.”

 

داليا عقدت حاجبيها.

 

“إزاي عرفت؟”

 

“نوع الورق.”

 

“ممكن يكون اتغير مع الوقت.”

 

“لا.”

 

أشار إلى طرف الصورة.

 

“الورق ده مستخدم في الأرشيف من أقل من عشر سنوات.”

 

نظر سامر إلى داليا.

 

قالت:

 

“يعني حد أعاد طباعة الصورة.”

 

“بالضبط.”

 

“لكن ليه؟”

 

آدم لم يجب.

 

لأن شيئًا في الصورة بدأ يلفت انتباهه.

 

الساعة.

 

كانت تشير إلى 11:40.

 

لكن عقاربها لم تكن في الوضع نفسه الموجود في الصورة التي وجدها داخل الملف.

 

اقترب أكثر.

 

الساعة في صورة محطة الشرق تشير إلى 11:40.

 

لكن ظل عقرب الدقائق يمتد إلى الاتجاه الآخر.

 

نظر آدم إلى الضوء.

 

ثم إلى الصورة.

 

ثم أعادها.

 

هناك شيء خاطئ.

 

لم يكن يعرف ما هو.

 

قال سامر:

 

“لقيت حاجة؟”

 

“يمكن.”

 

“إيه؟”

 

“الظل.”

 

اقتربت داليا.

 

“ظل إيه؟”

 

أشار إلى الساعة.

 

“لو الوقت فعلًا 11:40، اتجاه الظل ده مش منطقي.”

 

ساد الصمت.

 

نظر الثلاثة إلى الصورة.

 

لم تكن داليا مقتنعة.

 

قالت:

 

“يعني الساعة مزورة؟”

 

“مش بالضرورة.”

 

“إذن؟”

 

“ممكن تكون الصورة اتصورت في وقت تاني والساعة كانت متوقفة.”

 

سامر ابتسم.

 

“وده معناه إن 11:40 مش وقت.”

 

رفع آدم عينيه إليه.

 

“ممكن.”

 

لكن داليا قالت:

 

“يوسف كان بيستخدم الأوقات كرموز.”

 

نظر آدم إليها.

 

“إنتِ متأكدة؟”

 

“أخويا كان بيكره كتابة المعلومات بشكل مباشر.”

 

“عندك دليل؟”

 

“عندي.”

 

فتحت الملف الأسود.

 

أخرجت ورقة صغيرة.

 

كان عليها أربعة أرقام:

 

11:40

 

17

 

03

 

00

 

قالت:

 

“دي آخر ورقة وصلتني من يوسف.”

 

نظر آدم إلى الأرقام.

 

“فين 03؟”

 

“مش عارفة.”

 

“و00؟”

 

“برضه مش عارفة.”

 

ثم نظرت إلى آدم.

 

“بس أنت عندك رقم منهم.”

 

لم يرد.

 

نظر إلى قطعة المعدن في جيبه.

 

17.

 

أخرجها ووضعها على الطاولة.

 

سامر نظر إليها.

 

ثم قال:

 

“دي كانت معاك؟”

 

“أيوه.”

 

اقترب سامر.

 

“فين لقيتها؟”

 

“في مكتبي.”

 

تغيرت ملامحه.

 

قالت داليا:

 

“إيه؟”

 

لم يجب سامر.

 

نظر إلى القطعة المعدنية.

 

ثم قال:

 

“دي مش قطعة مشبك.”

 

رفع آدم عينيه.

 

“أمال إيه؟”

 

“جزء من لوحة ترقيم.”

 

“لوحة إيه؟”

 

“باب.”

 

نظر آدم إلى داليا.

 

ثم إلى سامر.

 

قال:

 

“باب إيه؟”

 

سامر لم يجب فورًا.

 

ثم قال:

 

“باب الغرفة 17.”

 

“الغرفة موجودة هنا؟”

 

هز سامر رأسه.

 

“مش هنا.”

 

“فين؟”

 

أشار إلى الصورة.

 

إلى محطة الشرق.

 

ثم قال:

 

“تحت المحطة.”

 

صمت آدم.

 

داليا لم تبدُ متفاجئة.

 

وهنا فهم آدم أن داليا كانت تعرف هذه المعلومة.

 

نظر إليها.

 

“إنتِ كنتِ عارفة؟”

 

قالت:

 

“كنت أعرف إن فيه غرفة.”

 

“ليه ما قولتيش؟”

 

“لأني ما كنتش أعرف مكانها.”

 

“وسامر يعرف.”

 

نظرت إلى سامر.

 

“هو اللي قال لي من سنوات.”

 

التفت آدم إليه.

 

“وإنت عرفت منين؟”

 

سامر لم يجب.

 

ثم حدث شيء صغير.

 

شيء ربما لم يلاحظه أي شخص لو كان في موقف آخر.

 

مد سامر يده إلى الورقة التي تحمل الأرقام.

 

وضع إصبعه فوق الرقم 03.

 

ثم سحبه بسرعة.

 

آدم لاحظ الحركة.

 

لم يقل شيئًا.

 

داليا لاحظتها أيضًا.

 

لكنها لم تتكلم.

 

في تلك اللحظة صدر صوت من هاتف آدم.

 

رسالة جديدة.

 

فتحها.

 

لم تكن من رقم مجهول.

 

كانت من رقم مسجل باسم:

 

“فؤاد سالم.”

 

تجمد آدم.

 

قالت الرسالة:

 

“الساعة ليست 11:40.”

 

ثم جاءت الرسالة الثانية قبل أن يستطيع استيعاب الأولى:

 

“لا تثق في الشخص الذي يعرف لماذا.”

 

رفع آدم عينيه ببطء.

 

سامر كان ينظر إليه.

 

داليا كانت تنظر إلى سامر.

 

ولم يقل أي منهم كلمة.

 

ثم وصلت الرسالة الثالثة.

 

هذه المرة لم تكن جملة.

 

كانت صورة.

 

فتحها آدم.

 

كانت صورة للغرفة التي يقفون فيها الآن.

 

لكن الصورة لم تكن قديمة.

 

كانت حديثة.

 

حديثة جدًا.

 

لأن آدم ظهر فيها.

 

سامر ظهر فيها.

 

وداليا ظهرت فيها.

 

والأخطر من ذلك أن الصورة التُقطت من مكان قريب جدًا.

 

من خلفهم.

 

في اللحظة نفسها تقريبًا.

 

رفع آدم هاتفه.

 

استدار الثلاثة في الوقت ذاته.

 

لم يكن هناك أحد.

 

لكن على الأرض خلفهم كان هناك شيء لم يكن موجودًا عندما دخلوا.

 

مفتاح معدني.

 

وعليه رقم واحد:

 

03

 

أما في الطرف الآخر من القبو، فصدر صوت قفل يُفتح.

 

ثم صوت امرأة تقول من الظلام:

 

“لو وصلتوا للغرفة 17، ما تفتحوش الباب.”

 

كانت داليا هي الوحيدة التي تعرف الصوت.

 

تغير وجهها.

 

همست:

 

“مستحيل.”

 

قال آدم:

 

“مين؟”

 

لم تجب.

 

كانت تنظر إلى الظلام.

 

ثم قالت بصوت منخفض:

 

“دي أمي.”

 

انتظروا الجزء القادم

 

غمضة:

 

“الصوت الذي جاء من الظلام كان لصوت امرأة يفترض أن تكون قد ماتت منذ خمسة عشر عامًا… لكن الدليل الوحيد على موتها يحمل خطأً لم يلاحظه أحد.”

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *