ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20261019 WA0005

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

لم يتحرك آدم.

 

كانت الجملة الأخيرة لا تزال عالقة في رأسه.

 

“دي أمي.”

 

داليا قالتها وهي تنظر إلى الظلام.

 

لم يكن في صوتها خوف فقط.

 

كان هناك شيء آخر.

 

شيء يشبه اليقين.

 

قال آدم بهدوء:

 

“إنتِ متأكدة من الصوت؟”

 

لم تنظر إليه.

 

“أنا أعرف صوت أمي.”

 

قال سامر:

 

“ممكن يكون تسجيل.”

 

التفتت إليه داليا بسرعة.

 

“أنت عارف إن صوتها كان موجود هنا.”

 

تغير وجه سامر.

 

لم يرد.

 

لاحظ آدم ذلك.

 

لم يكن صمت سامر طبيعيًا هذه المرة.

 

كان صمت شخص يعرف الإجابة، لكنه يحاول أن يقرر إن كان من الأفضل أن يقولها.

 

قال آدم:

 

“سامر.”

 

رفع الرجل عينيه.

 

“إنت كنت تعرف إن والدة داليا ليها علاقة بالمكان ده؟”

 

“أيوه.”

 

“ومن إمتى؟”

 

“من قبل ما أنت تعرف يوسف أصلًا.”

 

تدخلت داليا:

 

“هو كان موجود يوم اختفى أخويا.”

 

نظر آدم إليها.

 

“سامر؟”

 

هزت رأسها.

 

“أيوه.”

 

نظر آدم إلى سامر.

 

“إنت كنت في محطة الشرق يوم اختفاء يوسف؟”

 

قال سامر:

 

“كنت هناك.”

 

“وشفت إيه؟”

 

لم يجب.

 

قال آدم:

 

“أنا مش بسألك عشان أتهمك. أنا عايز أعرف ترتيب الأحداث.”

 

سامر ظل صامتًا لحظات.

 

ثم قال:

 

“شفت يوسف.”

 

“لوحده؟”

 

“لأ.”

 

“كان معاه مين؟”

 

نظر سامر إلى داليا.

 

ثم قال:

 

“أمك.”

 

تجمدت داليا.

 

“أمي كانت مع يوسف؟”

 

“أيوه.”

 

“ليه؟”

 

“ما أعرفش.”

 

صرخت داليا:

 

“إنت بتكدب.”

 

لكن آدم لم ينظر إليها.

 

كان ينظر إلى سامر.

 

“إنت قلت إنك شفت يوسف وأمها.”

 

“أيوه.”

 

“إمتى؟”

 

“قبل الساعة 11:40.”

 

“وبعدها؟”

 

خفض سامر عينيه.

 

“بعدها ما شفتش يوسف.”

 

“وأمها؟”

 

رفع سامر رأسه.

 

“هي اللي طلبت مني أمشي.”

 

ساد الصمت.

 

كان هناك شيء في هذه القصة لا يتفق مع السجلات.

 

داليا قالت إن أمها ماتت منذ خمسة عشر عامًا.

 

يوسف اختفى منذ سبعة عشر عامًا.

 

إذا كانت أمها موجودة ليلة اختفاء يوسف، فهذا ممكن.

 

لكن لماذا ظهر صوتها الآن؟

 

ولماذا تحذرهم من الغرفة 17؟

 

أخرج آدم هاتفه.

 

فتح سجل الوفيات.

 

بحث عن اسم والدة داليا.

 

ظهرت البيانات.

 

الاسم.

 

تاريخ الميلاد.

 

تاريخ الوفاة.

 

ثم سبب الوفاة.

 

حادث سيارة.

 

المكان.

 

طريق القاهرة الشرقي.

 

التاريخ.

 

منذ خمسة عشر عامًا.

 

قال آدم:

 

“داليا.”

 

نظرت إليه.

 

“أمك ماتت بعد اختفاء يوسف بسنتين.”

 

“أيوه.”

 

“والحادث حصل فين؟”

 

“على الطريق الشرقي.”

 

توقف آدم.

 

الطريق الشرقي.

 

محطة الشرق.

 

الاسم نفسه.

 

لكن هذا لا يكفي.

 

كتب المعلومة في دفتره.

 

ثم قال:

 

“مين كان معاها في العربية؟”

 

أجابت داليا:

 

“لوحدها.”

 

“متأكدة؟”

 

“ده اللي اتقال لنا.”

 

نظر آدم إلى سامر.

 

“وإنت؟”

 

قال سامر:

 

“أنا ما كنتش موجود وقت الحادث.”

 

لم يقتنع آدم.

 

ليس لأنه يملك دليلًا على كذبه.

 

بل لأن الإجابات كانت مرتبة أكثر من اللازم.

 

كأن كل شخص هنا يعرف جزءًا من القصة، لكنه يعرف أيضًا الجزء الذي يجب ألا يقوله.

 

أضاء آدم المصباح باتجاه الممر.

 

“الغرفة 17.”

 

قال سامر:

 

“ما نروحش.”

 

“ليه؟”

 

“لأنها مش مجرد غرفة.”

 

قالت داليا:

 

“إذن إيه؟”

 

سامر نظر إليها.

 

“مكان حفظ الأدلة اللي ما دخلتش السجلات.”

 

اقترب آدم منه.

 

“يعني إيه أدلة ما دخلتش السجلات؟”

 

“أدلة تم جمعها، واتعامل معاها، لكن ما اتسجلتش رسميًا.”

 

“مين كان بيقرر كده؟”

 

“فؤاد سالم.”

 

عاد الاسم مرة أخرى.

 

فؤاد.

 

الرجل الميت.

 

البطاقة.

 

التوقيع.

 

الصورة.

 

الرقم 17.

 

بدأت القطع تتحرك داخل عقل آدم، لكنها لم تكن قد اكتملت.

 

قال:

 

“إذن فؤاد كان يعرف الغرفة.”

 

“أيوه.”

 

“ومروان؟”

 

سامر سكت.

 

داليا قالت:

 

“مروان كان يعرف.”

 

“عرف من فؤاد؟”

 

“لا.”

 

نظرت إلى سامر.

 

“عرف من أمي.”

 

رفع آدم عينيه.

 

“إنتِ متأكدة؟”

 

“أمي قالت لي قبل موتها إن مروان يعرف مكان الغرفة.”

 

كانت هذه أول مرة يظهر فيها شيء من الماضي لم يكن موجودًا في أي ملف.

 

قال آدم:

 

“ليه ما قلتيش الكلام ده من الأول؟”

 

أجابته:

 

“لأنني لم أكن أعرف إن كان مروان متورطًا أو مجرد شاهد.”

 

هذه الإجابة أعجبته.

 

لم تكن حاسمة.

 

كانت صادقة بما يكفي لتترك الاحتمالين مفتوحين.

 

أخرج آدم قطعة المعدن.

 

وضعها على راحة يده.

 

“الغرفة 17 لها قفل؟”

 

قال سامر:

 

“كان لها.”

 

“وكان؟”

 

“القفل اتغير.”

 

“إمتى؟”

 

“بعد اختفاء يوسف.”

 

“مين غيره؟”

 

سامر لم يجب.

 

فقال آدم:

 

“مروان؟”

 

صمت.

 

وهنا لاحظ آدم شيئًا آخر.

 

داليا كانت تنظر إلى القطعة المعدنية.

 

ليس إلى الرقم 17.

 

بل إلى الجزء الخلفي منها.

 

قالت:

 

“اقلبها.”

 

قلب آدم القطعة.

 

كان هناك نقش صغير جدًا لم يلاحظه من قبل.

 

ثلاثة أحرف:

 

“ف س م”

 

قالت داليا:

 

“دي علامة فؤاد.”

 

“إنتِ متأكدة؟”

 

“كنت بشوفها على كل أوراق أمي.”

 

سألها آدم:

 

“ليه كانت أوراق أمك عليها علامة فؤاد؟”

 

لم تجب.

 

لكن سامر قال:

 

“لأن فؤاد ما كانش مجرد موظف.”

 

نظر إليه آدم.

 

“كان إيه؟”

 

سامر قال:

 

“كان الشخص اللي بيحفظ النسخ.”

 

“نسخ إيه؟”

 

“نسخ كل حاجة.”

 

“كل حاجة تخص إيه؟”

 

نظر سامر نحو الباب المظلم.

 

“الحالات اللي ما كانش المفروض حد يعرف عنها.”

 

اقترب آدم من داليا.

 

“يوسف كان واحد منها؟”

 

“أيوه.”

 

“وأمي؟”

 

ترددت.

 

ثم قالت:

 

“أمي كانت واحدة منهم.”

 

“إزاي؟”

 

أخرجت داليا ورقة مطوية من الملف الأسود.

 

فتحتها.

 

كان عليها سجل قديم.

 

اسم والدة داليا.

 

لكن أمام اسمها لم تكن هناك كلمة “شاهدة”.

 

ولا “مشتبه بها”.

 

كانت هناك كلمة واحدة:

 

“الدليل.”

 

رفع آدم رأسه.

 

لأول مرة، لم يعد يفكر في الأشخاص فقط.

 

بدأ يفكر في الكلمات.

 

يوسف.

 

أم داليا.

 

الرجل المتوفى.

 

فؤاد.

 

كل واحد منهم ظهر في السجلات بطريقة مختلفة.

 

لكن كلمة “الدليل” بدأت تتكرر.

 

قال آدم:

 

“الدليل رقم صفر.”

 

نظر إليه سامر فجأة.

 

“إيه اللي قلته؟”

 

“ولا حاجة.”

 

“قولها تاني.”

 

“الدليل رقم صفر.”

 

تغير وجه سامر.

 

داليا لاحظت ذلك.

 

قالت:

 

“إنت تعرف الاسم ده؟”

 

سامر لم يجب.

 

لكن قبل أن يضطر آدم إلى الضغط عليه، جاء صوت من نهاية الممر.

 

هذه المرة لم يكن صوت امرأة.

 

كان صوت رجل.

 

“آدم.”

 

توقف الجميع.

 

الصوت أكمل:

 

“لو عايز تعرف مين مات فعلًا قبل سبعة عشر سنة، دور على الرقم صفر.”

 

ثم سمعوا صوت خطوات تبتعد.

 

ركض آدم نحو الممر.

 

داليا خلفه.

 

سامر تأخر لحظة واحدة فقط.

 

وصل آدم إلى نهاية الممر.

 

لم يجد أحدًا.

 

لكن على الأرض كانت هناك ورقة.

 

التقطها.

 

كانت قديمة.

 

مكتوب عليها بخط اليد:

 

“الحالة صفر.”

 

وتحتها:

 

“لا يوجد ضحية.”

 

ثم سطر آخر:

 

“لا يوجد مفقود.”

 

ثم في أسفل الصفحة:

 

“المشكلة أن الجميع صدقوا أنهما موجودان.”

 

رفع آدم رأسه ببطء.

 

هذه لم تعد قضية اختفاء يوسف فقط.

 

ربما كانت القصة التي قرأها الجميع طوال سبعة عشر عامًا مبنية على كذبة واحدة.

 

كذبة جعلت الناس يبحثون عن شخص لم يكن هو الضحية أصلًا.

 

نظر آدم إلى داليا.

 

ثم إلى سامر.

 

وفي تلك اللحظة، لاحظ شيئًا أخطر.

 

الورقة كانت تحمل تاريخًا.

 

لكن التاريخ لم يكن من سبعة عشر عامًا.

 

كان تاريخ اليوم.

 

انتظروا الجزء القادم

 

غمضة:

 

“لأول مرة سيبدأ آدم في الشك في الحكاية نفسها، لا في الأشخاص فقط… والحقيقة التي ستظهر عن يوسف ستجعل أول دليل في القضية يبدو وكأنه كان يقول شيئًا آخر تمامًا.”

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *