ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20261019 WA0006

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

ظل آدم واقفًا والورقة في يده.

 

“الحالة صفر.”

 

“لا يوجد ضحية.”

 

“لا يوجد مفقود.”

 

ثم الجملة الأخيرة:

 

“المشكلة أن الجميع صدقوا أنهما موجودان.”

 

لم يقرأها مرة أخرى.

 

كان يعرف أن إعادة القراءة لن تمنحه إجابة.

 

بل ستمنحه احتمالًا جديدًا.

 

وهذا كان أخطر.

 

قالت داليا:

 

“يعني إيه لا يوجد مفقود؟”

 

لم يرد آدم.

 

كان ينظر إلى التاريخ المكتوب أسفل الورقة.

 

تاريخ اليوم.

 

وهذا يعني أن شخصًا ما كتبها حديثًا.

 

لكن الورقة نفسها قديمة.

 

لمس حافتها.

 

نوع الورق قديم فعلًا.

 

الحبر كذلك.

 

إلا التاريخ.

 

التاريخ كُتب بحبر أحدث.

 

قال آدم:

 

“حد استخدم ورقة قديمة وكتب عليها النهارده.”

 

اقتربت داليا.

 

“ليه؟”

 

“عشان يخلينا نعتقد إن الرسالة قديمة.”

 

سامر قال:

 

“أو عشان يقول لنا إن القضية رجعت.”

 

التفت آدم إليه.

 

“القضية ما رجعتش.”

 

“إزاي؟”

 

“لأنها ما انتهتش أصلًا.”

 

سكت سامر.

 

كانت الجملة بسيطة.

 

لكنها غيّرت شكل القضية بالكامل.

 

عاد الثلاثة إلى الغرفة.

 

وضع آدم الورقة على الطاولة.

 

ثم وضع بجوارها الصورة.

 

ثم قطعة المعدن.

 

ثم الورقة التي تحمل الأرقام الأربعة.

 

نظر إلى الأدلة كلها.

 

“إحنا عندنا مشكلة.”

 

قالت داليا:

 

“إيه؟”

 

“كل دليل وصل لنا بالطريقة اللي تخليه يقودنا لدليل تاني.”

 

أشارت إلى الصورة.

 

“الصورة قادتنا للمحطة.”

 

قال آدم:

 

“والرقم قادنا للغرفة.”

 

قالت:

 

“والغرفة قادتنا للحالة صفر.”

 

سامر قال:

 

“والحالة صفر قادتنا إلى إن يوسف مش هو محور القضية.”

 

آدم هز رأسه.

 

“بالضبط.”

 

ثم سأل:

 

“إذن مين المحور؟”

 

لم يجب أحد.

 

ظل آدم ينظر إلى الورقة.

 

ثم قال:

 

“مش الشخص.”

 

داليا نظرت إليه.

 

“إيه؟”

 

“الهوية.”

 

لم تفهم.

 

أخذ آدم البطاقة القديمة من الطاولة.

 

“إحنا من أول القضية بندور على أشخاص.”

 

يوسف.

 

الرجل المتوفى.

 

والدة داليا.

 

فؤاد.

 

مروان.

 

سامر.

 

لكن البطاقة جعلت الموضوع مختلفًا.

 

“لو حد قدر يستخدم صورتي باسم شخص تاني، يبقى السؤال مش مين الشخص.”

 

نظر إلى البطاقة.

 

“السؤال مين كان محتاج يعيش باسم شخص مش موجود.”

 

قال سامر:

 

“فؤاد.”

 

رفع آدم رأسه.

 

“ليه فؤاد؟”

 

“هو اللي أصدر البطاقة.”

 

“بس فؤاد مات.”

 

“قبل ما يموت.”

 

“ممكن.”

 

“يعني إنت شاكك فيه؟”

 

“أنا شاكك في كل حاجة.”

 

ابتسمت داليا لأول مرة.

 

“دي أول إجابة منك منطقية الليلة.”

 

لم يبتسم آدم.

 

كان ينظر إلى الرقم 17.

 

ثم قال:

 

“فيه حاجة غلط.”

 

“إيه؟”

 

“الرقم 17 ظهر في كل مكان.”

 

“أيوه.”

 

“لكن ولا مرة ظهر لوحده.”

 

أشار إلى الورقة.

 

“مرة جنب كلمة الدليل.”

 

ثم إلى القطعة المعدنية.

 

“مرة على قطعة من باب.”

 

ثم إلى الساعة.

 

“مرة على ساعة.”

 

ثم إلى الملف.

 

“ومرة كرقم حالة.”

 

سكت قليلًا.

 

“ده معناه إن الرقم مش هو الرسالة.”

 

داليا قالت:

 

“أمال إيه؟”

 

“طريقة.”

 

“طريقة لإيه؟”

 

“لتأكد إننا بنشوف الأدلة.”

 

ساد الصمت.

 

كانت هذه المرة الأولى التي ينظر فيها آدم إلى القضية كأن شخصًا ما يجلس أمامه ويصمم خطواته.

 

ليس فقط ليخفي الحقيقة.

 

بل ليتحكم في طريقة وصولهم إليها.

 

قال سامر:

 

“لو كان بيقودنا، ليه؟”

 

“عشان عايزنا نوصل.”

 

“للحقيقة؟”

 

“مش شرط.”

 

نظر آدم إليه.

 

“ممكن عايزنا نوصل للمكان اللي هو عايزنا نوصله.”

 

داليا فتحت الملف الأسود.

 

قالت:

 

“عندي حاجة.”

 

أخرجت ورقة صغيرة.

 

“دي كانت في غرفة أمي.”

 

وضعَتها أمام آدم.

 

كان عليها عنوان واحد.

 

محطة الشرق.

 

وتحته رقم:

 

3.

 

رفع آدم عينيه.

 

“الغرفة 03.”

 

قالت:

 

“أمي كانت بتقول إن رقم 03 أهم من 17.”

 

نظر آدم إلى سامر.

 

“إنت عرفت الرقم ده قبل كده.”

 

لم يجب.

 

قال آدم:

 

“لما لمست الورقة، حركت إصبعك ناحية 03.”

 

ظل سامر صامتًا.

 

ثم قال:

 

“لأن 03 هو أول رقم.”

 

“أول رقم لإيه؟”

 

“أول شخص دخل الغرفة.”

 

“مين؟”

 

سامر لم يجب.

 

داليا قالت:

 

“أنا أعرف.”

 

التفت آدم إليها.

 

قالت:

 

“أخويا.”

 

سكت آدم.

 

ثم قال:

 

“يوسف كان أول واحد دخل الغرفة 03؟”

 

“أيوه.”

 

“والغرفة 17؟”

 

“كانت آخر غرفة.”

 

“آخر غرفة لمين؟”

 

نظرت داليا إلى الورقة.

 

“لأمي.”

 

لم يتحرك آدم.

 

بدأت الصورة تتشكل.

 

يوسف.

 

الغرفة 03.

 

والدة داليا.

 

الغرفة 17.

 

اختفاء.

 

وفاة.

 

بطاقة.

 

فؤاد.

 

لكن شيئًا واحدًا لم ينسجم.

 

قال آدم:

 

“لو أمك كانت آخر واحدة دخلت الغرفة 17، ليه صوتها قال لنا ما نفتحهاش؟”

 

لم تجب داليا.

 

لأنها لم تعرف.

 

أما سامر، فخفض رأسه.

 

قال آدم:

 

“إنت تعرف.”

 

رفع سامر عينيه.

 

“الغرفة 17 مش موجودة دلوقتي.”

 

“قلت إنها كانت موجودة.”

 

“أيوه.”

 

“فين راحت؟”

 

صمت.

 

ثم قال:

 

“اتقفلت واتدفنت.”

 

“دفنت؟”

 

“بعد الحادث.”

 

“مين دفنها؟”

 

سامر لم يجب.

 

لكن داليا قالت:

 

“أبويا.”

 

نظر آدم إليها.

 

“والدك كان يعرف؟”

 

“كان جزء من التحقيق.”

 

“وهو فين دلوقتي؟”

 

سكتت داليا.

 

ثم قالت:

 

“مات قبل أمي بسنة.”

 

توقفت.

 

ثم أضافت:

 

“لكن قبل ما يموت، قال لي جملة واحدة.”

 

“إيه هي؟”

 

نظرت إلى آدم.

 

“قال لي: لو حد سأل عن يوسف، قولي له إن أخوكي ما اختفاش.”

 

تجمد آدم.

 

هذه الجملة أعادت كل شيء إلى نقطة البداية.

 

يوسف لم يختف.

 

لكن إذا كان هذا صحيحًا، فمن هو الشخص الذي اختفى؟

 

ومن الذي عاد بعد ذلك؟

 

فتح آدم الصورة الأولى.

 

الصورة التي ظهر فيها يوسف والرجل المتوفى.

 

ثم قلبها.

 

قرأ الجملة:

 

“لا تبدأ من يوم اختفائي.”

 

فجأة فهم شيئًا.

 

أو ظن أنه فهمه.

 

قال:

 

“الجملة دي ما كانتش بتقول إن يوسف اختفى.”

 

داليا نظرت إليه.

 

“أمال؟”

 

“كانت بتقول إننا غلطنا لما اعتبرنا يوم اختفاء يوسف هو بداية القضية.”

 

رفع الصورة.

 

“لأن البداية كانت قبلها.”

 

ثم أشار إلى التاريخ.

 

“قبل ثلاثة أيام.”

 

قال سامر:

 

“اليوم اللي اتصورت فيه الصورة.”

 

“أيوه.”

 

“بس إحنا لسه ما نعرفش حصل إيه في اليوم ده.”

 

ابتسم آدم للمرة الأولى.

 

“إحنا نعرف.”

 

نظر الاثنان إليه.

 

قال:

 

“الصورة نفسها قالت لنا.”

 

ثم قلبها مرة أخرى.

 

نظر إلى الساعة الموجودة في خلفيتها.

 

ثم إلى الظل.

 

ثم إلى الباب.

 

وتغير وجهه.

 

“الساعة مش بتقول 11:40.”

 

قالت داليا:

 

“قلت ده قبل كده.”

 

“لأ.”

 

نظر آدم إلى العقارب.

 

“أنا كنت غلط.”

 

اقترب سامر.

 

“غلط في إيه؟”

 

قال آدم:

 

“كنت فاكر إن العقارب بتشير لوقت.”

 

ثم رفع الصورة.

 

“لكنها بتشير لمكان.”

 

سكت الجميع.

 

ووضع آدم إصبعه على عقرب الساعة.

 

ثم على باب المحطة الظاهر في الصورة.

 

كان اتجاه العقرب يشير مباشرة إلى الباب الجانبي.

 

الباب الذي لم ينتبه إليه أحد.

 

وتحت الباب، في زاوية الصورة، ظهر رقم صغير جدًا.

 

3.

 

انتظروا الجزء القادم

 

غمضة:

 

“أول مرة يبدأ القارئ في امتلاك دليل يمكنه تفسيره بنفسه: الرقم 03 لم يكن مجرد رقم غرفة، والساعة لم تكن تخبرهم بالوقت… كانت تشير إلى المكان الذي بدأت فيه الكذبة.”

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *