الكاتب محمد طاهر سيار الخميسي
إهداء إلى المدربة: عواطف بن موسى
أَلَا يَا ابْنَةَ الزَّيْتُونِ مِنْ أَرْضِ تُونِسِ، لَقَدْ طِبْتِ نَفْسًا فِي الأَنَامِ وَمَغْرِسِ.
نَقِيَّةُ جَيْبٍ لَا يُذَمُّ حِجَابُهَا، تَقِيَّةُ قَلْبٍ كَالْحُسَامِ المُقَدَّسِ.
خَلُوقٌ وَفِيهَا مِنْ لُجَيْنٍ طَبَائِعٌ، وَطَيِّبَةٌ كَالْمِسْكِ فِي كَفِّ مَلْمَسِ.
وَمَا فِيهَا حِقْدٌ، كَمَا لَيْسَ فِيهَا غِلٌّ وَلَا شَحْنَاءُ قَلْبِ المُوَسْوَسِ.
أَتَتْنَا بِرِيشِيٍّ كَأَنَّهُ سَحَابَةٌ، بِهَا يُبْرَأُ الْمَوْبُوءُ مِنْ كُلِّ مُبْئِسِ.
وَكُورْدِسِبْسُ فِيهِ لِلْجُسُومِ مَنَاعَةٌ، وَمُورِنْزِيٌّ كَالشَّهْدِ فِي كَفِّ مُفْلِسِ.
تَدُسُّ لَنَا نُصْحًا بِلِينٍ وَرَحْمَةٍ، وَلَا تَبْتَغِي إِلَّا رِضَا المُتَقَدِّسِ.
أَتَاهَا فَتًى قَيْنِيُّ الأَصْلِ بَائِسٌ، يَبِيعُ الْقَاتَ فِي سُوقٍ بِثَوْبٍ مُدَنَّسِ.
فَأَغْنَاهُ رَبِّي بَعْدَ عُسْرٍ بِفَضْلِهَا، وَأَمْسَى كَرِيمًا بَعْدَ ذُلٍّ وَأَفْلُسِ.
وَمِصْرِيُّ قَوْمٍ كَانَ يَشْكُو مَعَاشَهُ، فَأَضْحَى غَنِيَّ الْمَالِ كَالْبَحْرِ الْمُطَمْسِ.
وَمَغْرِبِيٌّ يَحْدُو عَلَى التَّاكْسِ مُتْعَبًا، فَأَضْحَى أَمِيرَ الْقَوْمِ مِنْ بَعْدِ تَعَسِ.
وَرَبَّةُ بَيْتٍ فِي حُدُودِ عَمَّانَ، تَحَدَّتْ فَجَاءَ الزَّوْجُ كَاللَّيْثِ الأَشْرَسِ.
فَشَدَّتْ عُرَى قَوْمٍ مِنَ الْعُرْبِ كُلِّهِمْ، مِنَ النِّيلِ حَتَّى رَمْلِ صَنْعَاءَ الأَطْلَسِ.
تَقُولُ لَهُمْ: سِيرُوا إِلَى الْمَاسِ، إِنَّهُ ذُرَى الْمَجْدِ لَا يَرْقَاهُ إِلَّا الْمُفَرَّسِ.
وَمِنْ بَعْدِهِ نَحْوَ السِّفَارَةِ فَارْتَحِلْ، بِأَرْضِ مَلَايُو حَيْثُ عِزُّ الْمُؤَسِّسِ.
فَيَا تُونِسَ الْخَضْرَاءَ تِيهِي، فَإِنَّكِ وَلَدْتِ كَرِيمًا طَيِّبَ الْمُتَنَفَّسِ.
عَوَاطِفُ أَنْتِ الْمَجْدُ، وَالْمَجْدُ أَنْتِ، وَأَنْتِ لَنَا كَالْبَدْرِ فِي اللَّيْلِ الْحِنْدِسِ.
عَهِدْنَاكِ لَا نَنْسَى وُعُودًا قَطَعْنَهَا، عَلَى الْعَهْدِ حَتَّى نَرْتَقِي كُلَّ مَجْلِسِ.
وَمَا زِلْتِ فِي دَرْبِ الْمَعَالِي سَحَابَةً، تَجُودُ عَلَى الْقَاصِي كَجُودِ الْمُغَطِّسِ.
إِذَا قِيلَ: مَنْ لِلْخَيْرِ؟ قِيلَ: عَوَاطِفٌ، هِيَ الْبَحْرُ جُودًا، بَلْ أَجَلُّ وَأَنْفَسِ.
وَمَا رَامَ قَوْمٌ رُتْبَةً إِلَّا تَقَدَّمَتْ، تُضِيءُ لَهُمْ كَالنَّجْمِ فِي اللَّيْلِ الأَدْمَسِ.
تَرَى الْجُهْدَ فِيهَا لَا يَكِلُّ وَلَا يَنِي، وَتَرْعَى ذِمَامَ الصَّحْبِ رَعْيَ الْمُحَرِّسِ.
فَيَا رَبِّ، بَارِكْ فِي خُطَاهَا وَزِدْ لَهَا مِنَ الرِّزْقِ، وَاحْفَظْهَا مِنَ الْعَيْنِ الأَنْجَسِ.
وَأَعْلِ مَقَامًا لِلَّتِي قَدْ بَنَتْ لَنَا صُرُوحًا مِنَ الأَمْجَادِ فَوْقَ الْمُقَلْعَسِ.
فَإِنَّا عَلَى عَهْدِ الْوَفَاءِ، وَإِنَّنَا جُنُودٌ لَهَا حَتَّى انْقِضَاءِ التَّنَفُّسِ.
سَنَمْضِي إِلَى الْمَاسِ الْمُكَلَّلِ بِالسَّنَا، وَنَمْضِي إِلَى التَّاجِ الرَّفِيعِ الْمُقَدَّسِ.
وَتَبْقَى عَوَاطِفُ فِي الْقُلُوبِ مَنَارَةً، يُضِيءُ بِهَا الدَّرْبُ الْبَعِيدُ الْمُعَسْعِسِ.
إِذَا مَاتَ قَوْمٌ يَذْهَبُ الذِّكْرُ عَنْهُمُ، وَذِكْرُكِ بَاقٍ فِي الْوَرَى لَمْ يُدَرَّسِ.
وَمَا ذِكْرُهَا إِلَّا كَمِسْكٍ يَفُوحُ فِي مَجَالِسِ قَوْمٍ طَيِّبِي الْمُتَجَالِسِ.
إِذَا نَطَقَتْ صَمَتَ الْجَمِيعُ لِقَوْلِهَا، كَأَنَّ عَلَى الأَفْوَاهِ خَتْمَ الْمُخَرَّسِ.
وَتَمْشِي كَمَا تَمْشِي الْمُلُوكُ بِهَيْبَةٍ، وَتَبْتَسِمُ كَالإِشْرَاقِ فِي وَجْهِ مُعْبِسِ.
لَهَا فِي قُلُوبِ النَّاسِ وُدٌّ وَحُرْمَةٌ، وَحُبٌّ كَحُبِّ الأُمِّ لِلطِّفْلِ الأَنْعَسِ.
فَكَمْ دَاوَتِ الْجُرْحَ الْعَمِيقَ بِلِينِهَا، وَكَمْ فَرَّجَتْ هَمًّا عَنِ الْقَلْبِ الْمُبْلَسِ.
أَيَا ابْنَةَ تُونِسَ الْخَضْرَاءِ، يَا أُخْتَ الْوَفَا، لَأَنْتِ لَنَا أَغْلَى مِنَ الدُّرِّ الأَنْفَسِ.
فَلَا زِلْتِ تَاجًا فَوْقَ هَامَاتِ عُصْبَةٍ، تَرَى فِيكِ نُورَ الدَّرْبِ لِلْمُتَلَمِّسِ.
وَلَا زَالَ سَعْيُكِ فِي الْبِلَادِ مُبَارَكًا، يُثْمِرُ فِي كُلِّ الْبِقَاعِ وَيُغْرَسِ.
إِلَى أَنْ نَرَى اسْمَكِ فِي السَّمَاءِ مُنَوَّرًا، بِتَاجِ السِّفَارَةِ وَالْمَقَامِ الأَرْفَسِ.
وَنَشْهَدُ أَنَّا قَدْ وَفَيْنَا بِعَهْدِنَا، وَكُنَّا لَهَا خَيْرَ الْجُنُودِ وَأَحْرَسِ.
فَبُورِكْتِ يَا أُمَّ الْجَمِيعِ، وَبُورِكَ مَسَاعِيكِ، يَا بِنْتَ الْكِرَامِ الأَكْيَسِ.
وَمَا الطَّمْحُ إِلَّا فِي دِي إِكْسْ إِنْ، شَرِيكَةِ عِزٍّ لِلنُّفُوسِ الأَمَائِسِ.
بَنَاهَا حَكِيمٌ مِنْ مَلَايُو بِنَظْرَةٍ، يَرَى الصِّحَّةَ وَالثَّرْوَةَ نُورَ الْمَدَارِسِ.
فَأَنْشَأَ صَرْحًا لَيْسَ يُفْنَى عَطَاؤُهُ، وَيَبْقَى عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ الأَطَاعِسِ.
فَمَا الشَّرِكَةُ الْحَمْرَاءُ إِلَّا سَفِينَةٌ، تَسِيرُ بِنَا نَحْوَ النُّجُومِ الطَّوَامِسِ.
فَفِيهَا صِحَاحُ الْجِسْمِ مِنْ كُلِّ عِلَّةٍ، وَفِيهَا غِنَى النَّفْسِ الْعَزِيزِ الْمُكَايِسِ.
نَبِيعُ بِصِدْقٍ، لَا نَغُشُّ وَلَا نَرَى حَرَامًا كَفِعْلِ التَّاجِرِ الْمُتَدَانِسِ.
وَنَدْعُو أُنَاسًا لِلنَّجَاةِ بِحِكْمَةٍ، فَنُحْيِي قُلُوبًا مِنْ رُقَادٍ وَنُبْلِسِ.
طُمُوحِي إِلَى الْمَاسِ الَّذِي هُوَ غَايَتِي، وَلَيْسَ طُمُوحِي كَالطُّمُوحِ الْمُخَالِسِ.
أُرِيدُ سِفَارَةً فِي مَلَايُو أَزُورُهَا، وَأَلْقَى بِهَا الدُّكْتُورَ لِيمْ الْمُؤَسِّسِ.
هُنَاكَ سَأَلْقَى التَّاجَ فَوْقَ مَفَارِقِي، وَأَلْقَى رِفَاقَ الدَّرْبِ خَيْرَ الْمَجَالِسِ.
فَيَا رَبِّ، وَفِّقْنِي لِأَبْلُغَ مَطْلَبِي، وَحَقِّقْ لِعَوَاطِفَ كُلَّ حُلْمٍ وَنَافِسِ.
فَإِنَّا عَلَى دَرْبِ الطُّمُوحِ تَعَاهَدُوا، عَلَى الصِّدْقِ حَتَّى آخِرِ الْمُتَنَفَّسِ.
فَمَا الْمَجْدُ يُعْطَى لِلْكَسُولِ بِلَا تَعَبٍ، وَلَا يُدْرَكُ الْمَطْلُوبُ بِالْقَوْلِ الأَخْرَسِ.
وَلَكِنَّهُ سَعْيٌ وَجِدٌّ وَهِمَّةٌ، وَصَبْرٌ عَلَى مَرِّ اللَّيَالِي الْعَوَابِسِ.
نُعَلِّمُ قَوْمًا كَيْفَ يَبْنُونَ مَجْدَهُمْ، وَكَيْفَ يَكُونُ الْمَرْءُ حُرًّا وَنَافِسِ.
فَذَا يَزْرَعُ الْخَيْرَاتِ فِي كُلِّ بُقْعَةٍ، وَذَاكَ يُرَبِّي جِيلَ عِزٍّ مُغَارِسِ.
طُمُوحِي لَيْسَ مَالًا فَقَطْ أَعُدُّهُ، وَلَكِنَّهُ عِزٌّ يَدُومُ لِمُؤْنِسِ.
أُرِيدُ بُيُوتًا لِلْفَقِيرِ بَنَيْتُهَا، وَأُطْعِمُ مِنْ جُوعٍ بُطُونَ الأَبَالِسِ.
أُرِيدُ لِأَوْلَادِي حَيَاةً كَرِيمَةً، بِلَا ذُلِّ دَيْنٍ أَوْ سُؤَالِ الْمُفَالِسِ.
وَأَنْ أَتْرُكَ الإِرْثَ الَّذِي لَيْسَ يَنْقَضِي، مِنَ الْعِلْمِ وَالأَخْلَاقِ لِلْمُتَدَارِسِ.
فَيَا شَرِكَةَ الأَحْلَامِ، يَا دِي إِكْسْ إِنْ، أَنَا لَكِ حَتَّى آخِرِ الْعُمْرِ حَارِسِ.
سَأَمْضِي وَخَلْفِي أَلْفُ أَلْفِ مُجَاهِدٍ، يَسِيرُونَ نَحْوَ الْمَجْدِ سَيْرَ الْفَوَارِسِ.
إِذَا قَالَ لِيَ الْيَائِسُ: كُفَّ فَلَنْ تَرَى نَجَاحًا، أَقُولُ: اسْكُتْ أَيَا قَلْبَ خَانِسِ.
فَإِنِّي مَعَ الْحُرَّةِ بِنْتِ تُونِسِ، عَوَاطِفُ أُمِّي، نَجْمُهَا لَمْ يُطَامَسِ.
![]()
