حوار : سعاد الشرقاوي
في عالم تتسارع فيه الكلمات وتتهافت فيه الأصوات، يظل للأدب الحقيقي نَفَسه الخاص، المتّكئ على التجربة، والمعجون بالصدق. من صعيد مصر، وتحديدًا من أسيوط، يطلّ علينا الكاتب محمد كامل حامد، ليحكي بقلمه عن الناس، الواقع، والخيال، مستعينًا بتجربة متراكمة في أندية الأدب، ومنصات الفنون، وغرف القراءة والكتابة.
كاتب للقصة القصيرة والقصيرة جدًا، وسينمائي الحلم، واقعي الرؤية، لا تقيّده الأنواع ولا تسجنه الأشكال. في هذا الحوار، ندخل عوالمه، ونفتح دفاتره، لنكتشف ما وراء الحكاية.
س: كيف بدأت علاقتك بالأدب؟ وهل كانت الكتابة قدرًا مبكرًا في حياتك؟
نعم، أظن أن الكتابة كانت بدايتي الحقيقية لفهم العالم من حولي. بدأت موهبتي في المرحلة الثانوية، وكنت أكتب الشعر والخواطر آنذاك، قبل أن أجد نفسي أكثر قربًا من القصة القصيرة والقصيرة جدًا. لاحقًا، اتسعت الدائرة، وصرت أكتب سيناريوهات وروايات، من بينها عمل روائي وسيناريو على وشك أن يُنشر قريبًا بإذن الله.
س: ما الذي ساهم في تشكيل وعيك الأدبي؟ وهل لتخصصك الدراسي دور في ذلك؟
بالتأكيد. دراستي للأدب الإنجليزي فتحت لي نوافذ عديدة على الأدب العالمي، خصوصًا المسرح الإنجليزي، والشعر والرواية. ثم جاءت دراسة القانون، فأعطتني بعدًا تحليليًا وفهمًا أعمق للإنسان والواقع. لكن، فوق هذا كله، كانت القراءة هي مفتاحي الحقيقي. شغفي بالاطلاع لم يكن بدافع الدراسة فقط، بل كان حبًا ومعايشة.
س: بين الواقعية والفانتازيا، كيف تختار عالمك السردي؟
لا أكتب ضمن إطار محدد، بل أحب التنقّل بين الأجناس الأدبية والاتجاهات المختلفة. ومع ذلك، أجد نفسي دائمًا منجذبًا نحو الواقعية، حيث تنبض التفاصيل الصادقة، وكذلك الفانتازيا، لما تمنحه من مساحة للدهشة والتأمل الحر. الكتابة عندي ليست وصفًا، بل محاولة لإعادة تشكيل العالم بما أراه وأشعر به.
س: ما الذي يحفّزك على الكتابة؟ كيف تجد شرارة الإلهام؟
شرارة الإلهام أحيانًا تكون في كتاب ممتع، وأحيانًا في حديث عابر مع شخص غريب. لكن أكثر ما يحرّكني هو الألم الإنساني، القصص الصامتة التي يخفيها الناس تحت ملامحهم. الاستماع للآخرين، محاولة فهمهم، والتعبير عنهم، كلها أمور تدفعني للكتابة بإخلاص.
س: أنت عضو في أكثر من نادٍ ومنتدى أدبي، هل ترى أن البيئة الثقافية حولك داعمة؟
إلى حد كبير، نعم. عضويتي في نادي أدب أسيوط، ونادي القصة، وإدارتي لنادي الفنون والآداب بأسيوط، ساعدتني على التفاعل المستمر مع كتّاب وفنانين من مختلف الخلفيات. هذا التبادل الثقافي مهم جدًا، لأنه يمنح الكاتب مرآة يرى فيها نفسه من زوايا متعددة، ويكتشف ما لم يكن يراه وحده.
س: كيف ترى مشهد النشر حاليًا؟ وهل واجهت صعوبات في نشر أعمالك؟
لا شك أن النشر لم يعد كما كان. هناك تحديات، خاصة للكتّاب الجدد. لكن في المقابل، ظهرت فرص جديدة عبر النشر الإلكتروني ومنصات النشر البديل. أنا حاليًا أعمل على إصدار أعمالي عبر قنوات مناسبة، وأسعى لتقديم تجربة تستحق أن تُقرأ وتعيش في وجدان القارئ.
س: من هم أصحاب الفضل في رحلتك الأدبية؟
والدي ووالدتي هما أول من آمن بي، ودعمني منذ البدايات، وأنا مدين لهما بالكثير. وهناك أيضًا أصدقاء شاركوني الحلم، دعموني وشجعوني في الأوقات التي كنت أحتاج فيها إلى كلمة صادقة أو دفعة أمل.
س: في ختام هذا اللقاء، هل هناك رسالة أو صورة ذهنية تحب أن تتركها لنا؟
نعم. أحب أن أترك للقارئ مشهدًا بسيطًا من حياتي اليومية، لكنه يحمل دلالات كثيرة بالنسبة لي.
اعتدت أن أعبر هذا الطريق ذهابًا وإيابًا، هو السبيل الوحيد لأبلغ مسكني في وسط المدينة، رغم معاناتي الدائمة من ازدحامه وتكدس الناس فيه، يقام فيه السوق الرئيسي، تتوافد إليه الجموع لتلبية الرغبات، قضاء الحوائج. مع مرور الوقت وغياب الرقابة؛ تتضاعف به الأعداد، يتم افتتاح كبير لمحل تجاري جديد كل يوم، تتراص البضائع المعروضة على الأرفف، على الأرض، كأن المرتادين لا تعنيهم جودة السلع أو حتى طريقة عرضها
قد يبدو هذا المشهد عاديًا، لكنه يشبه تمامًا ما يحدث في واقعنا الثقافي، ازدحام، فوضى، وغياب للمعايير، لكنني رغم ذلك أعبر، لأنني مؤمن أن الكتابة هي الطريق، حتى وإن طال الزحام.
في كل إجابة من إجابات محمد كامل، نجد ما يشبه “قصّة قصيرة جدًا”، مكتملة المعنى، ومفتوحة التأويل. كاتب لا يبحث عن الزيف، بل يغوص إلى حيث يتنفس الإنسان بصدق، وهناك فقط يختار أن يكتب.
![]()

حوار بناء يرصد واقع الأدب والأدباء تحية للمحررة الصحفية الموهوبة وللقاص المبدع وفقكم الله وسدد خطاكم
شكرا جزيلا جزاك الله خير الجزاء