كتبت: منال ربيعي
في دروب العارفين، ليس الحب مجرد شعور، بل هو فناء واكتفاء، سُكرٌ لا يُفسِده العقل ولا يُحدّه المنطق. إن “سكر المحبة” في التصوف لا يُشبه سُكر الخمر، بل هو سُكر الأرواح حين تذوق القرب من المحبوب الحقيقي: الله. هو حالٌ يغيب فيه العاشق عن نفسه، فلا يرى في الوجود سواه، ولا يسمع إلا صوته، ولا يتحرك إلا بأمره، كأن قلبه أصبح مرآة تعكس وجه الحبيب في كل شيء.
هذا السُكر يحدث حين تشتد حرارة العشق، ويذوب الحجاب بين العابد والمعبود، فيفنى الهوى البشري، ليبدأ العشق الإلهي. وقد وصفه الصوفية بقولهم: “إذا تجلّى الحق، تاه العبد عن حدود ذاته، وصار هو الحب نفسه”.
لكن كيف نصل إلى هذا المقام؟
١. بالمجاهدة: أن تُطهِّر النفس من الغرور والحسد وحب الدنيا، فتصير القلب مستعدًا للتجلي.
٢. بالذكر: كثرة الذكر تُنعّم القلب وتجعله مركزًا قابلاً للنور الإلهي.
٣. بالمحبة الخالصة: أن تحب دون طلب، دون انتظار، كما يحب الطفل أمه، أو كما يحب العاشق وجه الحبيب.
٤. بالصحبة: الجلوس مع أهل الحب يُورث القلب حالهم، فكما يُقال “الحال يُعدي”.
٥. بالصمت: لأن السُكر لا يُشرح، بل يُذاق. فالصمت يُهيّئ القلب للأنصات لما لا يُقال.
وسكر المحبة ليس هروبًا من الواقع، بل هو عودة للجوهر. من ذاقه عاش حياةً ممتلئة بالرحمة، لأنه رأى وجه محبوبه في كل إنسان، وفي كل كائن.
: هذا المقام من أرقى المقامات الصوفية، لأنه يربط بين الروح والجمال، بين العشق والعبادة. من لم يذق المحبة، لم يذق شيئًا من الحقيقة.
![]()
