كتبت: فاطمة صلاح
ثمّة لحظاتٌ في الحياة، لا تُشبه ما قبلها…
لحظاتٌ لا تكونُ فيها القوّة في التمسّك، بل في التخلّي.
حينَ يُصبح البقاء معجزة، والمقاومة استنزافًا، والصمتُ خيانةً لذاتك…
حينها، يبدو التخلي خيارًا سهلًا، لكنّه في الحقيقة… يمزّق الروح بصمت.
لا أحدَ يُعلّمك كيف تنسحب بقلبٍ لا يزال ينبض،
ولا كيف تُطفئ شغفك بهدوء،
ولا كيف تترك أحدهم دون أن تترك وراءك جزءًا منك.
نعم، نرحل أحيانًا ونحن نحمل فينا ما لم نَقُله، وما لم يُفهَم، وما لم يُقدَّر.
التخلّي ليس هروبًا كما يظنّ البعض، بل هو اختيارُ من اختنق ولم يعُد يجد نفسًا،
من تمزّق داخليًّا ولم يُظهر شروخه.
هو قرارٌ تتّخذه حين تُدرِك أن وجودك يُقلّلك،
أن الحبّ لم يَعُد يُنقذك،
وأن التمسّك صار يُهينك أكثر مما يُبقيك.
الناسُ تراك ترحل، فيظنّونك مرتاحًا…
لا يرون الحرب التي اشتعلت بداخلك،
ولا الحرائق التي تركتَها خلفك،
ولا الأطياف التي ستسكنك كلّما اختليتَ بنفسك.
نعم، أحيانًا تختار التخلّي…
لا لأنك توقّفتَ عن الحبّ،
بل لأنك قررت أن تُحبّ نفسك أكثر هذه المرّة.
تتخلّى، وأنت تعلم أنّ جزءًا منك سيبقى في المكان الذي تركتَه،
لكنّك، رغم كلّ شيء…
تحفظ كرامتك، وتُغلق الباب بصوتٍ خافت، وتمضي.
فالتخلّي ليس دائمًا هروبًا،
بل قد يكون أصدقَ درجاتِ النضج، حين تختار كبرياءك ولو على حساب قلبك.
ولأنني أحببتُ بصدق… قرّرتُ أن أرحل بصمت.
لا لأنّ الرحيل سهل، بل لأنّ حفظ الكبرياء أحيانًا أهمّ من بقاءٍ يُهين القلب.
قد يحترق الداخل، لكنّني تركتُ المكان، وأنا أُحبّني أكثر.
أصدقُ درجاتِ النضج… حين يختار المرءُ كبرياءه، ولو على حساب قلبه.
![]()
