...
Img 20250625 wa0203

الكاتبة منة الله محمد 

 

في لحظات الوحدة الصامتة، حين يُصبح كل شيء باهتًا والكلمات لا تكفي، تمتد يد الأغاني القديمة إلينا، لا لتقول ما نشعر به، بل لتشعره بدلًا منّا.

هناك حزنٌ لا يوجع، بل يُربّت على القلب. حزنٌ يعرف كيف يختبئ خلف صوت دافئ، وكيف يمرّ على الجرح بلطف، كما تمرّ يد أم على طفلٍ مكسور القلب.

 

لم تكن أغاني عبد الحليم وميادة وأم كلثوم وشادية مجرد ألحان، بل كانت مرايا لقلوب لم تملك جرأة البوح.

كانت الحروف فيها تنطق بلسان القلب لا العقل، وكأن كل أغنية كُتبت لأجل لحظة ضعف لم نشاركها مع أحد.

 

في صوت عبد الحليم، يتكثّف شعور الخسارة حين لا نفهم لماذا رحل الأمان فجأة، بينما كل شيء كان يبدو مستقرًا.

حين قال:

“في عزّ الأمان… راح منّي الأمان… واتّاريني ماسك الهوي بإيديا…”

لم يكن مجرد وصف لحالة، بل كشف هشاشتنا حين تنهار الأرض تحتنا من غير إنذار.

ثم يعود ليهمس في خوفٍ نعرفه جيدًا:

“بس قلبي لسه خايف من الليالي… وانت عارف قدّ إيه ظلم الليالي…”

ذلك الخوف من الغد، من المجهول، من تكرار الألم… شعور لا يُوصف، لكن الحليم منحه نغمة.

 

ومن وجع عبد الحليم، ننتقل إلى الحنين النازف في صوت ميادة الحناوي.

امرأة لا تبكي على الحب، بل على ذاتها التي ضاعت فيه، تقول بكسرة ناعمة:

“نسيت مين أنا؟… أنا الحب اللي كان… اللي نسيته أوام من قبل الأوان…”

وفي كل مرة نسمعها، نشعر أن الذاكرة تؤلم أكثر من الغياب.

ومعها نعيش هذا الصراع المرير بين التعلّق والتحرر، حين تنطق بصدق موجع:

“يا تجيني يا تاخدني معاك… يا تعلّمني إزاي أنساك…”

وكأن القلب لا يملك حلًا، بل يُحاول أن يُنقَذ، بأي طريقة كانت.

 

ثم يأتي صوت أم كلثوم، لا ليحكي الضعف، بل ليُعيد إليه كرامته.

هي لا تتوسّل، لكنها تسأل من خذلها بنبرة واثقة:

“بعتني… وفاكرني ليه؟ استني قربك ليه؟”

كلماتها لا تئن، بل تُحاسب… والمحاسبة هنا ليست غضبًا، بل صفاء روح اكتفت.

وفي أغنية أخرى، تقول:

“هو حناني عليك قساك حتى عليّا؟”

وكأنها تُشير إلى الجرح بصوت هادئ، تعرف مصدره، لكنها لا تملك له دواءً سوى الغناء.

وحين يصل الشوق إلى حده، تعترف في لحظة إنسانية خالصة:

“بخاف عليك وبخاف تنساني… والشوق إليك علطول صحاني…”

فالحب عندها لا يُنكر، بل يُقال، حتى وهو يُوجِع، وحتى عندما يكون كل شيء قد فات.

 

ومن قوة الست، نعود للدفء الهادئ في صوت شادية، تلك التي تُغنّي وكأنها تحكي الحزن بين سطرين.

حين تقول:

“جوني… سألوني… جاوبتهم عنّي دموع عيوني…”

لا تصرخ، لا تُبرّر، فقط تُسلّم لحزنها كأنها تعرفه من زمن، وتسكنه عن طيب خاطر.

وفي مقطع آخر، يتجلّى الإصرار الرقيق، حين تقول:

“لأطفي بناره ناري… وأخلص منها تاري… ولا يهمّك يا عين، هيروح من قلبي فين؟”

فنعرف أن بعض الحب لا يُنسى، لكن يُحتوى… يُقاوَم، دون أن نفقد أنفسنا فيه.

 

هكذا كانت الأغاني القديمة، لا تزعم علاجًا، لكنها تمنحنا عزاءً.

فيها ما يشبه حضنًا غير مرئي… قد تنتهي الأغنية، لكن لا ينتهي أثرها.

تظل تلك الأصوات القديمة تتسلل إلينا من فجوات الوقت، كأنها تعرف تمامًا متى نحتاج أن ننهار قليلًا دون أن يرانا أحد.

تأتينا حين نُخفي وجعنا بابتسامة، فتغنّي عنّا ما لا نملك شجاعة قوله.

 

ليس كل حزنٍ مؤلم… بعضه جميل.

جميل لأنه يُشبهنا، لأننا نعرفه، ونعرف كيف نُربّت عليه بحنانٍ خفيف كأننا نربّت على طفلتنا الداخلية.

لهذا، كلما أرهقنا هذا العالم، نعود لأغنية قديمة… نغلق عيوننا، ونصغي لقلبٍ يُغنّى بدلًا منّا.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *