كتبت: منال ربيعي
ليست الروح في جسدها إلا طيفًا يمرّ، وكأنها غريبة نزلت على دار لم تألفها، فظلّت تطرق أبواب الذاكرة القديمة، باحثة عن وطنها الأول، عن النور الذي كانت فيه قبل أن تُغشى بغبار العالم. هذا الحنين الغامض الذي يسكن الصوفية ليس نزوة وجدانية، بل هو مفتاح السرّ، باب الطريق، وسبب السفر.
العارفون قالوا: “الروح من أمر ربّي”، وهي إذ تهبط إلى عالم الطين، لا تنسى أصلها النوراني، فتظل تنوح في صمت، وتأنس بالسكون، وتهفو إلى الجلال. هنا يبدأ السالك رحلته، لا بدافع الواجب، بل بدافع الشوق. إنه الشوق الذي يتعدى الحواس، ويصير نداءً خفيًا يدفعه للتطهّر، للصلاة، للخلوة، وللبكاء الطويل في حضرة الغيب.
في التصوف، لا يُنظر إلى الحياة الدنيا كغاية، بل كمرحلة عبور. ويظلّ القلب الحقيقي يشعر أنه ليس من هنا، وأن ما حوله لا يكفيه. الحلاج قال:
“أنا من أهوى، ومن أهوى أنا… نحن روحان حللنا بدنا”
وهذه ليست مجرد عاطفة شعرية، بل وصف دقيق لوحدة العاشق والمعشوق، وحنين الروح إلى أصلها الإلهي.
وليس كل حنين يقود إلى الله، لكن الحنين الذي لا يُشبع إلا بذكره، والذي لا يُروى إلا بالقرب منه، هو الذي يصير دليلاً ومعلّمًا. في هذا الحنين، تتلاشى الأسماء، وتغيب الحدود، فلا تبقى إلا صرخة الروح: “أريدك، لا سواك.”
إن التأمل، والخلوة، والسكوت، والذكر، ليست أعمالًا مجرّدة، بل هي استجابات دقيقة لنداء داخلي، يقول للعبد: ارجع، فالفجر الذي خرجت منه لا يزال ينتظرك.
في النهاية، لا شيء يعيد الروح إلى صفائها كالبكاء في الخفاء، والصدق في المحبة، ودوام السعي. فالحنين الصوفي ليس وجعًا، بل هو نعمة، لأنه بوابة الوعي، ومحرّك الخطوة الأولى، وهو صوت الله في القلب، يدعونا إلى بيتٍ لم نره بأعيننا، لكننا عرفناه منذ الأزل.
هذا الحنين هو أرقى أشكال الحب، لأنه حب بلا شرط، بلا غاية سوى اللقاء. من يشعر به، فقد بدأ الرحلة، ومن أنكره، لم تبدأ حياته بعد.
![]()
