...
2c293138 d8e2 4599 a53f 5ce8c5a499d1

كتبت: ريم رمضان السلوت

استيقظ قبيل الفجر، يحمل حقائب وبعض الأكياس الفارغة. توضأ كوضوءه للصلاة، ثم صلى ركعتين راجيًا المولى ألا يرده خائبًا.

أمامه طريق طويل، ومعاناة لا يعرف عنها سوى أنها مذلة…

وهو الذي اعتاد العيش الكريم، والرزق الرغيد، بات اليوم مضطرًا للخروج في رحلة قهر جديدة…

فالبيت فارغ تمامًا من الأغذية، والجيوب خاوية من النقود، ولا عمل في هذه البلاد التي امتلأت بالدم والبارود، وصار الموت رائحة تفوح في كل ركن من أركان المدينة.

وأمامه…

أطفال جياع، تبكي، وأمعاء تئن من شدة الجوع.

وقف عاجزًا، مقهورًا، أمام هذه الحرب الجديدة التي يفرضها الاحتلال بمكر مدروس… يزيد الضغوط، ويضاعف المعاناة، ويبتكر أساليب أكثر خنقًا للحياة.

خرج مكسور الخاطر، قاصدًا طريق المساعدات “الإنسانية”… تلك التي تتخفّى تحت عباءة الرحمة، وهي مجرّدة تمامًا من أي شعور بالإنسانية.

مضى مشيًا في ظلام الليل… لا أنيس له سوى ضوء القمر ونسمات الفجر الباردة. يحمل في قلبه رجاءً، وقهرًا، ودعوات يهمس بها في صدره. قطع الكيلومترات بأقدامه النحيلة الجائعة، حتى وصل إلى المكان… حيث ينتظر المئات، كلهم يحملون ذات الوجع، ذات الحاجة، وذات الخيبة المعلّقة في الهواء.

حاول أن يداري نفسه… تمنّى لو يختفي… لو تبتلعه الأرض… لو يستيقظ من هذا الكابوس الذي لا نهاية له… ملايين الأفكار تدور في رأس رجلٍ جائع، عاجز، فقير، منكوب…

وفجأة… صوت الطائرات المسيرة “الكواد كابتر” يحلّق فوق الرؤوس… وصوت وقح يخترق الصفوف:
“امشوا يا جعانين… يلا هي فتحت المساعدات!”

طعنة قهر جديدة غُرست في صدره… ولا وسيلة للتعبير عن هذا الغضب المكبوت… شعر وكأنه ينسلخ عن ذاته… عن كرامته… عن تاريخه…

قدمٌ تتراجع: “أنا الذي اعتدت الحياة الهانئة…!”
وقدمٌ أخرى تدفعه للأمام: “هناك أطفال ينتظرون… وصدى أصواتهم لا يفارق أذنيه: (مستنينك يا بابا… الله يحميك… عشان تجيبلنا طحين… ونعمل خبز)”

أغمض عينيه المغرورقتين بدموع القهر… ومضى راكضًا مع الراكضين… فما باليد حيلة… العجز يطوّقه من كل جانب…

ركض نحو ثلاثة كيلومترات دون توقف… طلقات النار عشوائية، تتبعثر في الهواء… تنتظر جسدًا تستقر فيه… لذا كان عليه أن يتقن مهارة الانبطاح أرضًا كلما شعر بالخطر…

تعثر… ونهض… تعثر أخرى… ونهض من جديد… حتى وصل… ليكتشف أن الصناديق فارغة… لا شيء… لا طحين… لا غذاء… لا حتى ما يسد رمق أطفاله المنتظرين…

عاد بحقائب فارغة… لكنه عاد محمّلًا بأثقل ما يمكن أن تحمله القلوب… خيبة… ضيق حال… يأس… خجل من نظرات أطفاله…

وجه شاحب… وثياب مغبرّة من تكرار السقوط أرضًا…
نجا من الموت… نجا من معركة الرصاص… لكنه داخليًا… تهشم… وكُسر خاطره…

عاد يجر أذيال الخيبة والشقاء…
وعاد السؤال ينزف بداخله:
“أهذا ما يسمى بالإنسانية؟!”

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *