الكاتب محمد طاهر سيار
صادرٌ بتاريخ:
يونيو/19/2025/6
يوم الخميس.
في يومٍ ما، دون أن يعلم أحدهم بمشاعر الآخر، اجتمع شاعران مبدعان في فضاء الكلمات، وتوافقا في الأفكار والمشاعر. كانا كنجمين في سماء الشعر، يلمعان بنور الإبداع والتعبير.في القافية، توافقت كلماتهما، وكأنها أنغام موسيقية متجانسة، تعزف على أوتار القلب. وفي الأفكار، تشابكت خيوط الفكر، لتكوّن لوحة فنية متكاملة، تعكس عمق المشاعر الإنسانية.كانت مشاعر الشاعرين متدفقة، كجدول ماء عذب، يروي ظمأ الروح. وتوافقا في رؤية العالم، كأنها نظرة واحدة، تريان الجمال في التفاصيل، والعمق في المشاعر.
في ذلك اليوم دون أن يعلم أحدهم بمشاعر الآخر، كانا كشريكين في رحلة الإبداع، يتبادلان الأفكار والكلمات، ليخلقا شيئًا جديدًا ومميزًا. وكان توافق أفكارهما وقافيتهما ومشاعرهما هو النتيجة الطبيعية لالتقاء روحين مبدعتين.
لو كنتُ أعلم أن بين الشاعر علي سيَّار وأخيه الشاعر حمزة سيَّار تواصلًا ليلة أمس، لقلتُ بينهما تسريبٌ لوبيٌ في الأفكار حتى اتحدت فكرتاهما بروحٍ واحدة وبشعورٍ واحد.
ولكن قرأتُ قصيدة حمزة قبل أن أقرأ لعلي، وكل واحد منهما كتب قصيدته المقفاة بقافية السين.
اتحدت أفكارهما ومشاعرهما ووصفهما بالصور البلاغية القوية، وتقارب الجمل والكلمات التي تؤدي إلى نفس الغرض الذي يشعر به كلاهما، بروح وجدانية وعاطفية جياشة، تشعر بالحزن القاتل والألم من شدة الإفلاس واليأس.
أولاً: قصيدة الشاعر حمزة سيَّار.
ماذا لديْكَ
تُرى سِوى الإحساسِ
بعذابِكَ الأبديِّ والإفلاسِ
.
.
ماذا لديْكَ
سِوى الضَّياعِ وفكرةٍ
تبدو بدونِ تسلسلٍ وأساسِ
.
.
ماذا لديْكَ
سِوى الشُّرودِ بعينهِ..
والرَّكضِ وَحْدَكَ خارجِ الأقواسِ
.
.
ماذا لديْكَ
وهَلْ لدى المحزون في
هذا المدى المشؤمِ غير الياسِ
.
.
.
تتأمَّلُ
الدُّنيا بِقلبٍ حائرٍ
فَترى بِها الأوجاعَ دونَ قياسِ
.
.
وترى بِها
ما لا يراهُ الناسُ في
حرصٍ كما لو كنتَ غيرَ النَّاسِ
.
.
ماذا لديك
الآن غير قصيدةٍ
هزلى وبعضِ الشّكِ والوسواسِ
.
.
ماذا لديْكَ
سِوى الشُّعورِ بخيبةٍ
عظمى وصدرٍ ضيِّقِ الأنفاسِ..
.
.
ماذا لديْكَ
سِوى الحنينِ لموطنٍ
يخلوْ مِنَ الأطماعِ والأدناسِ
استخدام الشاعر حمزة سيَّارللاستفهام البلاغي “ماذا لديكَ تُرى” استخدم لتعزيز الشعور بالحزن واليأس، ويجعل القارئ يتساءل عن ما يملكه الشاعر
تكرار “ماذا لديكَ” يُستخدم لتأكيد الشعور بالفراغ والخسارة، ويُظهر مدى عمق الحزن واليأس الذي يشعر به
والصور البلاغية: “عذابك الأبدي”، “الإفلاس”، “الضياع”، “الشعور بخيبة عظمى” كلها صور بلاغية قوية تعبر عن مشاعر الحزن واليأس، وتُظهر مدى تأثيرها عليه- الكلمات الرمزية “الأنجاس” و “الأطماع” و “الأدناس” كلها رموز تعبر عن الفساد والظلم، وتُظهر رؤيتة للمجتمع وللوطن بأكملة.
وقوة عاطفية بمشاعر الحزن واليأس بشكل قوي ومؤثر، ويُطرح أسئلة فلسفية حول معنى الحياة والوجود.
ثانيًا: قصيدة الشاعر: علي سيَّار
في ذمّةِ اللَّهِ لا في ذمّةِ الناسِ
قلبي الذي تاه في دوامة الياسِ
في ذمّةِ اللَّهِ لا في ذمّةِ امرأةٍ
نحـوي تضنُّ بإسعـادٍ وإينـاسٍ
وكلمـا جئـتُ مشتاقًـا لرؤيَتهـا
تلقَّفَتنـي بأنيـــابٍ وأضـــراسِ
ولا تحـسُّ بشوقي حين أكتبُـهُ
لها مجازًا، كصخرٍ دون إحساسِ
في ذمّةِ اللَّهِ إحساسي وعاطفتي
وحشرجـاتي، وآهـاتي، وأنفـاسي
هوَ الذي سوفَ يرعاني ويكلؤني
بلطفــهِ، ويقينـي شـــدّةَ البــاسِ
ومـن سـواهُ إذا مـا جئتُـهُ قلِقًـا
أعودُ منشرحًا من دون وسواسِ
وكلمــا قلـتُ يـا اللَّهَ بـي حَــزَنٌ
ألقى السرور على قلبي كأعراسِ
مَن لو إذا ما اقترفتُ الذنبَ يغفرُهُ
لي، لا يـردُّ معاذيـري كمـا النـاسِ
ولا يــردُّ رجـائـي حيـن أطلبــهُ
شيئاً هوَ المعطي الوهَّابُ للآسي
وكـل كـفٍ لغيـر اللَّهِ نمدُدهــا
تعـودُ فـارغــةً إلا مـن اليــاسِ
وكل شكـوى لغيـر اللَّهِ ترفعها
مذلّـةٌ، وانحنـاءٌ منـك بالـراسِ
وهل يبـثُّ عزيز النفس شكوتهُ
إلا إلى الله من فقـرٍ وإفـلاسِ؟
عزيزة فيَّ نفسي رغم حاجتها
لا ترتجي هِبَةً من كفِّ أنجاسِ
ولا تؤمّــلُ في بـذلٍ ومرحمةٍ
إلا من الله رغم الواقع القاسي
إني كفرتُ بجود الأغنياء سوى
جود الغنيّ الذي يُغني عن الناسِ
في ذمّـةِ اللَّه لا في غير ذمَّتـِهِ
روحي التي حُصِرتْ ما بين أقواسِ
اللغة الشعرية التي استخدمها الشاعر علي سيَّار لغة شعرية غنية بالصور والتعابير البلاغية، مثل “في ذمة الله” و”أنياب وأضراس” و”حشرجاتي وآهاتي” واستعارة في “قلبي الذي تاه في دوامة اليأس”
تعبر عن معاني عميقة مثل الثقة بالله والاعتماد عليه، والشعور باليأس من الناس.
التناص مع القرآن الكريم، مثل “في ذمة الله” التي تذكرنا بآيات القرآن التي تتحدث عن ذمة الله.
مكونة من أبيات متسلسلة، كل بيت يعبر عن فكرة معينة، والقصيدة كلها تتناول فكرة الاعتماد على الله.
تعبر عن تجربة روحية عميقة، وتُظهر ثقة الشاعر بالله واعتماده عليه في كل الأمور. لا يرتجي شيء من أحد إلا من الله وحدة هو الذي سيجعل الأماني بين يدية لا سواه .
![]()
