كتبت: منال ربيعي
ثمة عطش لا يرويه الكأس، ولا تهدّئه الأنهار. عطش يبيت في القلب، يستيقظ مع أول ذكر، ويتوهّج كلما نادى الحنين ولم يُجَب. ليس جوعًا إلى نورٍ يُرى، بل شوق إلى لمحة من الغيب، إلى لحظة تلامس فيها النفس حضرة لا اسم لها.
العطش مقام لا يطلب الوصول، بل البقاء في الحنين. لا يبحث عن شبع، بل يتعمّد الظمأ كأن فيه الحياة. الصوفي فيه لا يهدأ، ولا يطمئن. يسير وفي صدره نار لا تحرقه، بل تنضجه. يضحك، لكن روحه ترجف. ينام، لكن قلبه يقظ.
هو لا يطلب شيئًا، بل يطلب الله، لا سواه. كلما ظن أنه اقترب، ابتعد. وكلما ابتعد، ازداد قربًا بطريقة لا تُفهم. هذا العطش لا يُشفى، لأنه في ذاته شفاء.
وفي ظمئه تكمن البركة. فالقلب إذا امتلأ اكتفى، وإذا اكتفى نام. لكن القلب العطشان يبقى ساجدًا، متأهّبًا، منتظرًا المطر.
أحب هذا المقام لأنه يُبقينا على الباب، مطرقين برهبة، لا بانتظار العطاء، بل بفرح الانتظار نفسه.
![]()
