كتب: حسين العلي
كنت أطالع الصفحات الأولى من كتاب العادات السبع للإقدام على التغيير بشجاعة لستيفن ار. كوفي، فاستوقفتني بعض القصص الواقعية التي بثّت في القلب نسائم الأمل وأوقدت شرارات الإلهام.
وفي الصفحة التاسعة عشرة، لاحت لي قصة بعنوان محل لبيع الزهور، تحكي عن امرأة كانت تحلم منذ سنوات بامتلاك محل صغير للزهور. لكن ظروف الحياة دفعتها إلى طيّ ذلك الحلم في أدراج النسيان، حتى إذا ما شاخت السنون بها، عادت إليه بجرأة، وأخرجته من غبار التأجيل إلى نور التحقيق.
أكثر ما أسرني في حديثها كان خاتمة كلامها، حين قالت:
“أدركت حينها أن حلمي الغريب بامتلاك محل لبيع الزهور قد تحقق… وفي الوقت الذي يسعى فيه أناس إلى امتلاك العالم، أرغب أنا فقط في تزيينه بالأزهار، ليبدو أكثر بهاءً ورونقًا.”
تأملت كلامها، فوجدت الفرق شاسعًا بين من يحلم بدافع الجشع، فيسعد روحه ويشقي غيره، ومن يحلم بدافع الجمال والعطاء، فيمنح الفرح للكل.
ليست عظمة الأحلام في حجمها، بل في أثرها… فلا تخجل من حلم صغير يُسعدك ويسعد الآخرين، بل اخجل من حلم ضخم لا يخلف وراءه سوى الأنانية والخراب.
ولعلّ أصدق ما تبوح به تلك القصة هو أن الأحلام لا تموت، بل تُخزَّن في مكانٍ دافئ من الذاكرة، تنتظر لحظة الشجاعة لتُبعث من جديد. كم من حلمٍ دفناه تحت رماد “ليس الآن”، وكم من زهرةٍ في داخلنا تذبل يومًا بعد يوم، لا لشيء، سوى لأننا أقنعنا أنفسنا أن الحياة لا تسمح بالترف، ولا تقبل بالعاطفة، ولا تصغي للضعفاء.
لكن الحقيقة أن الحياة لا تمنحنا الفرصة، نحن من ننتزعها. الزمن لا ينتظر، لكنه يكافئ من يجرؤ.
أدهشني في تلك المرأة أنها لم تتحدث عن النجاح بمعايير السوق، ولا عن الأرباح، ولا عن التوسع، بل تحدثت عن “تزيين العالم بالأزهار”. يا لها من رؤية نقية…
حين يصبح الحلم غايته الجمال، يصبح إنجازه انتصارًا للروح، لا مجرد إنجاز ماديّ.
في زمانٍ يتسابق فيه كثيرون لامتلاك كل شيء، يبهج القلب أن تجد من يكتفي بقطف وردة، وغرس فرح، وصناعة لحظة هادئة تشبه السلام.
وما بين من يحلم لبناء برج شاهق يتباهى به وحده، ومن يحلم بحديقة صغيرة يتقاسم ظلّها مع المارة.يكمن الفارق بين الطموح الأناني، والطموح الإنساني.
ليست المسألة في أن تحلم كبيرًا أو صغيرًا، بل في أن تحلم صادقًا.أن تحلم بما يشبهك، بما يُشبه قيمك، ويُشبه طيبتك، وامتنانك، ونظرتك للعالم.
فإن كان حلمك بزرع زهرة، لا تيأس منه أبدًا، وإن راودك الحنين لحلمٍ قديم، فلا تتردد في إيقاظه…
فبعض الأحلام لا تموت، بل تنتظر من يمنحها فرصةً جديدة لتتنفّس.
![]()
