كتبت: منال ربيعي
في مقام السُكر، لا يعود الذاكر واعيًا لما حوله، كأنّ النور لفّه، والنشوة ابتلعته. لا سُكر الشراب، بل سُكر القرب. لحظة تتلاشى فيها الحروف، وتفيض الروح بكلمات لا تُقال، كأنك تُخاطب الله من غير لسان، وتسمعه من غير صوت.
الصوفي في هذا المقام لا يبكي من ألم، بل من فيض. ولا يضحك لفرح، بل من انكشاف. يدور حول نفسه كأن الحقيقة تطوف فيه، لا هو بها. يتلعثم، لأنه ذاق شيئًا لا تُحمله اللغة، وتغشاه سكينة تُمطر القلب حتى يثمل.
في السُكر، كل الأشياء تُصبح تجليًا. النسيم، الضوء، حتى صمت الليل. يمرّ الاسم الإلهي على القلب، فينتشي الجسد، وتذهل النفس. ما عاد الفؤاد يطلب، لأنه وجد.
هذا المقام لا يصنعه العبد، بل يُهدى إليه. وإذا حلّ، لا تُغلق له بابًا. هو لحظة تُرفع فيها الحُجب، وتُسكِت فيها النفس، ويُنطق القلب وحده.
مقام السُكر من أصفى لحظات التجلّي. فيه تُولد من جديد، لكن من قلبك، لا من جسدك. من ذاقه مرة، سيظل عطشانًا له إلى الأبد.
![]()
