كتبت: منال ربيعي
أحيانًا، لا نختار الانسحاب من العالم، بل هو الذي ينسحب من أرواحنا، بهدوء يشبه طلوع الفجر.
لا يعود القلب يفرح بزحام الأسواق، ولا تبهجه الأضواء ولا المديح، بل يصبح قلبًا ينتظر لحظة خفية، فيها سكون الليل وهمس الدعاء.
هناك أناس لا نراهم كثيرًا، ليس لأنهم بعيدون، بل لأنهم غارقون في حضور أعمق، حضور لا يدرك بالعين، بل بالسكينة التي تسبق الكلام.
هؤلاء لا يحتاجون إلى عزلة الجسد، فهم حاضرون بين الناس، لكن قلوبهم معلقة بسماء لا تغيب عنها الشمس.
من جلسة ذكر في آخر الليل، إلى دمعة نزلت بلا سبب ظاهر، من رغبة عميقة في الانفراد بالكون ساعة واحدة، إلى انشغال داخلي لا يفسّر، كل ذلك من علامات الذين سمعوا النداء، فأجابوا بلا كلمات.
لا يبحثون عن أجر، ولا عن مقعد في جنّة موصوفة، إنما يذوبون في الحب، ويكتفون بوجوده. يتحدث الناس عن العطاء والثواب، وهم لا يسألون إلا:
“هل أنت راضٍ؟”.
في قلوبهم حياءٌ من الطلب، لأنهم رأوا ما هو أعظم من المنح: وجه من أحبوا.
ربما تجدهم في امرأة تصلي وحدها في مطبخها بعد تعب طويل، أو في عجوز يردد اسمه بين أنفاسه، أو في طفل يسأل عن الله ببساطة، وكأن بينه وبينه عهدًا سابقًا.
هذا المقام لا يعلن عن نفسه، ولا يحتاج إلى أسماء ولا شروح. هو مقام الروح حين تختار أن تحيا في صمتٍ شفيف، لا يشبه الزهد، ولا يشبه الفناء، بل يشبه الحب في أنقاه صورِه.
هذا النوع من الحضور الصامت أجده أرقى مراتب الصدق مع النفس.
لا يشترى، ولا يتعلم، بل يولد من كثرة النظر للسماء دون سؤال. أراه في العيون التي تغيب وهي صاحية، وفي القلوب التي تنشغل بالله وسط صخب الحياة. مقام لا يحتاج إلى تعريف، يكفي أن تشعر به.
![]()
