...
E8f176f1 296f 4df7 8821 d5fc4bb1da14

كتبت: آلاء العقاد 

 

فتاة في الثانية والعشرين من عمرها، عيونها الخضراء تدعى هيام  تشبه خضرة الغابة في صباح ربيعي، وشعرها المجعد ينسدل حول وجهها الصغير بشكل يعكس طبيعتها المرحة والمتمردة. رغم توقفها عن الدراسة لفترة، عادت بحماس متجدد لمتابعة حلمها في كلية الهندسة، تلك الأحلام التي كانت تراودها منذ الطفولة.

في جامعة كبيرة وسط زحام الطلاب، التقت بمراد، الشاب الهادئ ذو القلب الدافئ، الذي سرعان ما احتل مكانًا خاصًا في قلبها. مع مرور الوقت، أصبحت هيام تحكي له كل تفاصيل يومها، تكتب له عن أفراحها وأحزانها، وحتى أصغر لحظات حياتها. وكانت تغيب عن نفسها إن لم يسمع صوت مراد أو يرد على رسائلها. لقد أحبته بشغف لا حدود له، وكان هو السند الذي يدفعها للأمام في دراستها وحياتها.

مرت سنوات من الحب، وفي إحد الأيام المشرقة، تقدم مراد لخطبتها. كانت لحظة فرح واحتفال صغير جمع فيه الأهل والأصدقاء، والآن بدا أن حلمهما المشترك يقترب أكثر فأكثر. لكن الحياة لا تخلو من التحديات، فبعد أيام قليلة من الخطبة، سافر مراد للعمل في بلد مجاورة، تاركًا هيام تستعد لإتمام دراستها في السنة الأخيرة.
كانت هيام تشعر بالفخر لما وصلت إليه، بين محاضرات الجامعة ومشاريع الهندسة، كانت تحلم بالمستقبل الزاهر مع مراد. لكنها في ذلك اليوم المشؤوم، وبينما كانت عائدة إلى بيتها بعد انتهاء محاضراتها، وقع الحادث.

صوت الصدام، تحطم الزجاج، وصراخ المارة… استيقظت هيام في المستشفى وسط الألم والقلق. الطبيب أخبرها أن الحادث تركها تعاني من إعاقة بصرية، وأن هناك احتمال كبير ألا تستعيد بصرها أبدًا. صدمت هيام وعائلتها، وشعرت بأن الأرض انقلبت تحت قدميها.

بدأت رحلة علاج شاقة، بين أمل وخيبة، من مستشفى إلى طبيب، من دواء إلى آخر، لكن كل المحاولات كانت تبوء بالفشل. الأيام تمر، والظلام يزداد حولها. شعرت بأنها تفقد جزءًا من نفسها، جزءًا كان يرى العالم بألوانه الزاهية.

وفي تلك اللحظات القاتمة، وصل مراد من السفر، ليجد حبيبته في حال لم يتوقعها أبداً. لكن بدلًا من الانهيار أو الهروب، قرر مراد أن يقف بجانب هيام. التقط يدها وقال بحزم: “أنا هنا، ولن أتخلى عنك. أعلم أن عينيك لن ترى كما كانت، لكن قلبي يرى جمالك كل يوم، وسأكون عينيك في هذا الظلام.”

بدأ الاثنان رحلة جديدة، مليئة بالتحديات التي لم تكن متوقعة. تعلمت هيام كيف تعتمد على نفسها بطرق جديدة، وكيف تستخدم حواسها الأخرى لتتعرف على العالم. ومراد كان السند والدعم، يتعلم كيف يكون حارسها ورفيقها في كل خطوة.

تعلمت هيام أن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى بصر، بل إلى رؤية أعمق من ذلك بكثير.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *