الكاتبة نور عبد الله
يومٌ جديدٌ مضجٌّ بالأسى. جسدُ أمي يزداد شحوبًا، حرارتها لم تنخفض منذ ثلاثة أيام. قطراتُ العرق تزحف بين تشققات بشرتها الجافة. تهذي أثناء نومها بكلماتٍ مبعثرة لا تكاد تُنهيها. التنفس صار عبئًا عليها، والهواء أثقل من أن يدخل صدرها.
أما أنا، فمكبّلةُ اليدين والساقين. سلاسلُ أنوثتي قيودٌ من فولاذٍ ملتهب، كلما حاولتُ كسرها تسلخ جلدي وتشاط.
ما أبشع أن تُرزق بفتاة وأنت معدم! الرقة لا تتناسب مع حياتنا! يبدو أن أبي كان محقًّا في كلماته عند ولادتي، وذلك الحنق الذي رافقه إلى قبره.
وأيضًا، جملته التي لطالما رددها على مسامعي منذ أن وعيت لا تزال تصفِر في أذني، كأنها البارحة:
“ألا يكفيني عارًا أني فقدتُ ولدي بسببك أيتها الغبية؟”
بالتأكيد، كانت تهويدتي اليومية تُرفق بأثرٍ لكفّ أبي مطروزةٍ على خدي، أو ركلةٍ في معدتي الملتصقة بظهري. حتى في آخر لحظاته وهو على فراش المرض، كان في نظراته الأخيرة نقمةٌ علي، على أنوثتي اللعينة!
ويبدو أنه كان على حق في كل ذلك. من سيوظف فتاة لتنظيف المداخن أو حمل الأمتعة؟ كيف سأهتم بأمي العليلة؟ كيف سأحضر لها الطبيب؟
وكل ما تبقّى لنا من المدخرات ثلاثُ قطعٍ نقدية، بالكاد تشتري رغيفين من الخبز للغد: واحدٌ لي، وواحدٌ أفتّته وأخلطه بالماء ليصبح عصيدةً تقتاتُ عليها أمي ليومين.
اللوم كله عليّ يا أبي! ليتني كنتُ صبيًا كما أردت، لأعوّضك فقد أخي. فالرقة نعمةٌ للأغنياء يتفاخرون بها، ونقمةٌ للفقراء يموتون بها.
![]()
