...
Img 20250826 wa0000

الكاتبة منال ربيعي 

 

 

كنتُ يومًا أسيرة ظلال الآخرين، أزرع قلبي في أرضهم العطشى، أستجدي ماءً من غيماتهم البعيدة، وأنتظر شمسًا لا تشرق.

لكن الأيام جاءت كعاصفة، كسرت الأقفال، مزّقت كل أوهامي، وأسقطتني في صحراء بلا ظلّ، حتى سمعت في داخلي صوتًا يشبه نداء الآلهة: انهضي من رمادك، فالنار التي أحرقتك كانت نبوءة خلودك.

 

مشيتُ في ممرات الليل، أجرّ خلفي خيوط التعلق المتهالكة، وكل خيط كان ثعبانًا يلتف حول عنقي، حتى قطعت آخرها بسيف اللامبالاة.

لم أعد أبحث عن أذرع تحتويني، ولا وجوه تمنحني ملامحي، فقد صنعتُ لنفسي ملامح من حجر القمر، وأجنحة من ريش الصقور، وصرتُ أطير في فضاء لا تحده خطوات أحد.

 

تعلمت أن الغياب ليس موتًا، وأن الفقد لا يلتهمنا، بل يخلع عنّا قشرة الوهم حتى نولد من جديد، كإيزيس حين جمعت أشلاء أوزوريس لتعيد إليه الحياة، لا حبًا في الرجوع، بل إيمانًا بأن الروح لا تُهزم.

 

اليوم، أنا لا أكره، ولا أحب بجنون، ولا أعلّق قلبي على يد قد ترتعش في منتصف الطريق. أنا أمشي وحدي، ومعي جوقة من النجوم، وجذوري مغروسة في أعماق الأرض، كأني شجرة مقدسة عرفت سرّ الخلود.

 

الأيام لم تجعلني قاسية، بل حوّلتني إلى أسطورة صغيرة تسير بين الناس.

لا أنتظر من يأتي، ولا أرتجف لمن يرحل، فقد صرتُ ملكة عرشها السلام، وسيفها الحرية، وتاجها الصمت المضيء.

 

والآن، أسمع همس الزمن في أذني:

من يمشي وحيدًا على جمر الخيبات، سيجلس يومًا على عرش النور. سيولد عالمٌ جديد من تحت قدميك، وتُكتب أسطورتك في كتاب الخلود.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *