الكاتبة أماني الأموي
في المساء الذي تغفو فيه العيون،
تستريح الأرض على وسادةٍ من عذب الندى،
ويُطلّ القمر كعينٍ رؤوفةٍ تراقب العالم من علوٍّ صامت،
كأنّه الحارس الأمين على نعاس الأكوان.
هناك، عند أطراف الحقل،
وقفت فزّاعةٌ نسيها الزمن بين سنابلٍ ذابلة،
تحتضن الصمت كما يحتضن المتعب خلاصه في نسمةٍ هادئة.
كانت تراقب تغيّر ألوان القمر، كأنها تبتسم له بطمأنينةٍ قديمة،
ذراعاها الممتدتان كأنهما تفتحان القلب قبل الحِضن لرياحٍ عابرة،
وقبعتها العتيقة تُخفي ما استطاعت من ملامحها،
كمن وجد في الخفاء سلامه الأبدي.
لم تعد تخيف الطيور،
بل غدت وطنًا لها، وملاذًا للريح حين يعلو نشيدها.
صارت تُغنّي للعشب مع ترنيمات الموج الهوائي،
وحولها كانت الغزلان ترعى الأمان،
لا تخشى ظلّها المائل،
ولا نظرات القمر التي تنسكب على جسدها
كقطرات مطرٍ باردٍ من نورٍ سماويٍّ ناعم.
سكن الهواء إلا من أنفاسٍ بنفسجيةٍ تتراقص في السماء،
كأن الكون بأسره يتنفس نسمات الندى،
ينتظر انبلاج لحظةٍ يتسع فيها وجه السلام.
تلك الفزّاعة التي صُنعت من خشبٍ وئيد،
ومن أمنياتٍ منسيّةٍ لتخيف من حولها،
بدت وكأنها تحمل على ساعديها الممدودين رسالةً للبشرية:
أنّ السلام لا يُؤتى بالحراك ولا بنجاح،
بل بالرضا والقناعة.
سلّط القمر ضياءه على كتفها المنسيّ،
كمن يمنحها هديّةً من نورٍ وسكينة.
عندها تبسّمت،
كأنها أدركت أن لا أحد يُخلق عبثًا،
وأنّ من الذرّة إلى المجرّة،
كلّ شيءٍ يملك حكايةً وروحًا تنتظر من يراها…
حتى حبّة الرمل تحت قدمك،
تخفي في سكونها سرّ الوجود.
![]()
