الكاتبة منة الله محمد
الإخلاص لشريك الحياة لا يبدأ حين نلقاه، ولا يولد بلحظة الارتباط، بل يتكوَّن فينا بهدوءٍ منذ أول وعيٍ بالحياة.
حين ندرك أن الدنيا مفتوحة على كل الاحتمالات، وأن الوقوع في علاقاتٍ عابرة أمرٌ سهل، نختار الطريق الأصعب والأصدق؛ أن نحفظ قلوبنا من التشتّت، وأن نصون مشاعرنا من العَبث.
الإخلاص لا يُكتسَب في لحظة حب، بل يُزرع في العزلة، في تلك اللحظات التي يمكن فيها أن نميل، لكننا لا نفعل.
نختار أن نحمي قلوبنا من الضياع، أن نُبقيها نقيّة، لتكون هديةً صافية لمن كُتب له أن يكون لنا.
ليس لأن أحدًا يطلب ذلك، بل لأن داخلنا يعلم أن القلب لا يُعطى إلّا مرةً واحدة، ويستحقّ أن يُعطى في وقته الصحيح.
الأمانة العاطفية ليست انغلاقًا، بل رُقيّ في المشاعر.
هي أن تعرف كيف تُحب دون أن تُخدش، وكيف تمنح دون أن تُهدر، وكيف تحفظ نقاءك في عالمٍ يُشجّع على التشتّت.
أن تبقى وفيًّا لقلبك، لا تُزيّف إحساسك باسم التجربة، ولا تُبرّر الخطأ باسم الحرية.
فما تحفظه اليوم من صدقٍ فيك، سيكون غدًا أثمن ما تقدّمه لمن يليق بك.
وحين يأتي النصيب، ستعرف أن انتظارك لم يكن فراغًا، بل إعدادًا.
لن تحمل وجعًا قديمًا، ولا خيبةً تجرّ ظلّها خلفك، بل سكينةً خالصة وقلبًا قادرًا على الحبّ بصدقٍ وجمال.
فالأمانة العاطفية ليست مرحلةً من الحياة، بل أسلوبها كله.
هي ميثاقٌ بينك وبين نفسك، أن تبقى طاهر القلب مهما تغيّر العالم،
وأن تظلّ نقيّ النية حتى في غياب الحبّ، لأن الإخلاص خُلقٌ لا ظرف.
وربما يأتي ذلك اليوم الذي تُزهِر فيه الأمانة حبًّا صادقًا،
فيُرسل الله إلى دربك من يُشبه صفاءك،
من يرى الجمال الذي خبأته الأيام،
من يفهم صمتك، ويُقدّر حفاظك، ويعلم أن انتظارك لم يكن عبثًا.
وحينها فقط، ستدرك أن كل صبرٍ كان طريقًا خفيًّا يقودك إليه،
وأن الأمانة التي حفظتها في قلبك لم تضع،
بل عادت إليك حُبًّا يليق بنقائك، وصدقًا يُكمل روحك.
فهي قرارٌ واعٍ، لا يُمليه الواقع، بل يختاره القلب النبيل.
![]()
