كتبت: أماني الأموي
ثمةَ مشهدٍ يتكوّن في الداخل دون أن يراه أحد؛
مشهدٌ يتكون فيه الزمن من أنفاي متقطّة،
لا يملك المرء سوى أن يعيشه بصمته.
اللحظة التي يتجاور فيها الماضي مع الحاضر كما لو أنهما شخصان يجلسان إلى طاولة واحدة،
أحدهما واضح، والآخر لا يُرى إلا بالحنين.
حضور يتدلّى بين إكتمالٍ ناقص وغيابٍ ما زال يحتفظ بنبضهِ،
لحظة يتوقف فيها الزمن، ليس لأنه يريد التمهّل،
بل لأنه يخشى أن يوقظ شيئًا نام طويلًا في القلب، وكأن الروح توقد قنديلًا للذي رحل،
ذلك اللقاء الغريب الذي لا يحدث في الواقع، بل في المساحة التي بين نبضةٍ وأخرى؛
حيث يعود الغائب بلا خطوات، ويجلس في مقعدٍ لم يُسحب،
ويمتلئ المكان بحضوره رغم أنه لا يملك جسدًا يحجب الضوء.
يقترب ببطء، بصمته، وبالأسئلة التي لم تجد يومًا طريقًا لِقَولِها.
أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى شخصٍ يعود إليه،
بقدر ما يحتاج إلى لحظةٍ يعود فيها هو إلى نفسه.
فثقلُ الفقد لا يُقاس بغياب من رحل، بل بما تركه في الروح من فراغٍ يتّسع كلما حاولتِ سدّه.
تلك اللحظات التي يقترب فيها الخيال من الحقيقة، ويظهر الماضي كشعاعٍ خافت لا تدرين إن كنتِ تبحثين عن دفئه… أم تهربين من قسوته.
وهناك — في تلك المنطقة المعتمة من القلب — يشتعل ضوءٌ صغير،
ضوءٌ يلمع كلما ناداه اسم، أو مرّت رائحة، أو تسللت فكرة كان يمكن تجاهلها لولا أنها تعرف طريقها إلى الجرح.
يجلس الإنسان على كرسي واحد، بينما يقف في داخله مقعد آخر لا يشغله إلا طيفٌ حفظ تفاصيلنا أكثر مما حفظها الحاضر.
إنها الصورة التي لا تُرسم،
اللحظة التي لا تُشرح،
الومضة التي لا تحتاج عينين… بل تحتاج قلبًا يجرؤ على النظر.
![]()
