...
IMG 20260628 WA0042

كتبت: المحبة لله 

 

 

لا تخسري نفسك وأنت تحاولين إرضاء الجميع

 

 

قال ويليام شكسبير: “المرأة كالجيتار، لا تعطي ألحانها إلا لمن يتقن العزف على أوتار قلبها.”

 

 

لعل هذه العبارة تختصر حقيقة يغفل عنها كثيرون؛ فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تكمن في مقدار ما يقدمه للآخرين، بل فيمن يقدر ذلك العطاء ويحفظ مكانته. فالمرأة التي تمنح قلبها ووقتها ومشاعرها لمن لا يرى في كل ذلك سوى واجب، إنما تستنزف نفسها في طريق لا يقود إلا إلى الخيبة.

 

 

إن أكثر ما يؤلم الإنسان ليس أنه أحب بصدق، وإنما أن يتحول هذا الصدق إلى أمر معتاد في نظر الآخرين، حتى يصبح العطاء التزامًا، والتضحية حقًا مكتسبًا، والسكوت واجبًا لا يجوز الخروج عنه. وهنا تبدأ النفس في فقدان جزء من بريقها؛ لأنها اعتادت أن تؤجل احتياجاتها حتى تلبي احتياجات الجميع، وكأنها خُلقت لتكون ملجأً للآخرين، بينما لا تجد هي من يحتويها حين تتعب.

 

 

 

للأسف، تقع كثير من النساء في هذا الفخ؛ إذ يعتقدن أن التنازل المستمر هو الطريق للحفاظ على العلاقات، وأن الصبر على كل ما يؤذيهن دليل على قوة الحب وصدق المشاعر؛ لكن الحقيقة أن العلاقة التي تُبنى على طرف يمنح باستمرار، وطرف يعتاد الأخذ دون تقدير لا تلبث أن تتحول إلى عبء يرهق القلب ويستنزف الروح.

 

 

 

ليس المقصود هنا أن يتحول الإنسان إلى شخص أناني لا يبالي بمن حوله؛ بل أن يدرك أن احترام الذات لا يقل أهمية عن احترام الآخرين. فمن لا يضع حدودًا واضحة لما يقبله وما يرفضه، سيجد نفسه مع الوقت يعيش حياة صُممت لإرضاء الجميع إلا نفسه.

 

 

 

ومن أكثر الأخطاء التي نقع فيها، سعينا الدائم لنيل رضا الناس؛ فنغير من طباعنا، ونجامل على حساب راحتنا، ونخفي أحزاننا حتى لا نزعج أحدًا، ثم نكتشف في النهاية أن الناس لا يجتمعون على رضا شخص واحد، وأن محاولة إرضائهم جميعًا معركة خاسرة منذ بدايتها. فلكل إنسان وجهة نظره، ولكل شخص توقعاته، ولو قضينا أعمارنا نحاول تحقيقها جميعًا، فلن يتبقى منا شيء.

 

 

 

كوني كزهرة لا تفقد عطرها لتنال إعجاب كل من يمر بها؛ بل حافظي على جمالك الداخلي، وعلى شخصيتك التي ميزك الله بها؛ فلا تقارني نفسك بأحد، ولا تسمحي لأحد أن يجعلك تشعرين بأنك أقل قيمة؛ لأنك تختلفين عنه. فالاختلاف ليس نقصًا، وإنما هو ما يمنح كل إنسان هويته الخاصة.

 

 

 

وتعلمي أيضًا أن كلمة “لا” ليست قسوة، بل وسيلة لحماية نفسك. فمن اعتاد أن يقول “نعم” لكل شيء، سيجد نفسه محاصرًا بما لا يريد، وسيكتشف بعد سنوات أنه عاش حياة رسمها الآخرون له، بينما غابت رغباته وأحلامه خلف محاولاته المستمرة لإرضائهم.

 

 

 

إن الطفلة التي تسكن داخل كل امرأة لا تحتاج إلى المزيد من الأعباء؛ بل تحتاج إلى من يربت على قلبها ويخبرها أن التعب ليس ضعفًا، وأن من حقها أن تستريح، وأن تبكي، وأن ترفض، وأن تختار نفسها أحيانًا دون أن تشعر بالذنب. فمن يعتاد مواساة الجميع، يحتاج هو الآخر إلى من يواسيه، ومن يمنح الطمأنينة للآخرين، يستحق أن يجد يومًا من يمنحه الشعور ذاته.

 

 

 

لا تجعلي قيمتك مرهونة برضا الآخرين عنك، ولا تقيسي نجاحك بكمية التضحيات التي قدمتها. فأجمل العلاقات هي تلك التي تقوم على التقدير المتبادل، لا على الاستنزاف، وعلى المشاركة، لا على التضحية من طرف واحد.

 

 

اعتني بنفسك كما تعتنين بمن تحبين، وامنحي قلبك من الاهتمام بقدر ما تمنحه للآخرين؛ لأن الإنسان إذا خسر نفسه، فلن تعوضه محبة العالم كله.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *