ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20260802 WA0013

 

 

الكاتبة: ناهد الزيدي

 

 

جلس بجانبها، وظلّ ينظر إلى السماء دون أن ينطق بكلمة، وبعد برهة سألها: «لماذا أنتِ هكذا؟»

 

استغربت من سؤاله، فهي لا تعلم لماذا طرحه، ولا في أي سياق قاله.

 

ولكن ابتسمت بلطف وقالت: «كيف؟ ماذا تقصد؟!»

 

ضحك من استغرابها وقال: «كنت أظن أنكِ ستفهمين قصدي، ولكن يبدو أنكِ لم تفهمي، هه. قبل قليل كنت جالسًا بالقرب من تلك البحيرة، والحقل يقابلني على الضفة المقابلة، والقمر توسّط السماء، ورافقته بعض النجوم اللامعة مع قليل من الغيوم، ورائحة الياسمين العطرة تنبثق من الحقل؛ فجُلت ببالي وتذكرتكِ، ككلّ مرة تزورين فيها نومي ويقظتي. فقلت في نفسي: هي لماذا تبدو هكذا؟ هادئة، جميلة، طيبة الأثر، توزّع الحنان على كل القلوب، لماذا تبدو مثالية لهذا الحد؟ ما سرّ كل خطوة تخطوها وكأنها ملاك تسكن الروح ولا تفارقها من فرط بهائها؟ ما سرّها يا ترى؟ فأخذت بعضي وأتيت مهرولًا إليكِ لأسألكِ عن كل هذا؛ ألا ترين أنكِ كذلك؟»

 

ابتسمت خجلًا وقالت: «شكرًا على لطفك، أما عن الهدوء فذاك كان نتيجة الضجيج الذي بداخلي، فلا تظن أن الحياة كانت رحيمة بي. ولأنني ملاك كما قلت، فذلك ليس إلا لأنك رأيتني هكذا، فأرجو أن أكون قد خطوتُ على قلبك بخطوات رقيقة محبة. وأما عن كل ما قلته، فإنه نزل على فؤادي كقطرات العسل من خلية لا تموت أبدًا.»

 

نظر إليها مليًّا، ثم تنهد وقال مبتسمًا: «وها أنتِ فعلتها مرة أخرى… أجبتِ عن سؤالي وتركتِ عقلي يملك أسئلة أكثر. يبدو أن سرّك يكمن في صدقك مع الأشياء، مع التفاصيل، مع كل شيء… أنتِ تبدين الأكثر جمالًا في هذا العالم البائس، لقد عدتُ صبيًّا بفضلك ولأجلك… عدتُ إلى الصبا وكأنني لم أكبر يومًا، وكأنني لم أقابل كل تلك الأهوال. أعدتِ إليّ الفرح الذي خُطف مني منذ زمن… شكرًا يا أميرة قلبي، شكرًا يا مهجة الفؤاد.»

 

أطرقت برأسها خجلًا، وأخذت خصلةً من شعره، وتنظر إلى الشيب الذي يزينه، وتبعث نظرها نحو ذقنه الذي تملؤه حبات الفضة، وتقول في نفسها: «ليتك كنتَ لي إلى الأبد، إلى يوم نُبعث، إلى الجنة سويًّا، كي أستريح أنا وتستريح أنت…»

 

تلاقت روحه بروحها، وامتزجت النبضات ببعضها، وكانا هما، لا يتفارقان أبدًا.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *