الكاتبه أمل سامح
> «مرحبًا يا سُدرة… أنا ابنتك.»
قرأت الرسالة مرة.
ثم مرة أخرى.
وفي المرة الثالثة ضحكت.
لم تكن ضحكة فرح.
كانت تلك الضحكة التي تخرج من الإنسان عندما يعجز عقله عن استيعاب ما يحدث، فيحاول تحويل الرعب إلى شيء يمكن احتماله.
كتبت:
«من أنتِ؟»
جاء الرد بعد ثوانٍ:
> «أنتِ تعرفينني.»
كتبت:
«أنا لا أملك ابنة.»
ظهر الرد فورًا:
> «ليس بعد.»
توقفت يدي فوق الشاشة.
ليس بعد.
كانت الكلمة وحدها كافية لتجعل كل ما حولي يبدو غير حقيقي.
نظرت إلى المرأة التي كانت تقف أمامي.
كانت تراقب وجهي بصمت.
قلت:
— هل تعرفين شيئًا عن هذه الرسائل؟
لم تجب.
— أرجوكِ، أخبريني من هي.
قالت:
— لا تسألي عن الأشياء التي لم تأتِ بعد.
— لكنها قالت إنها ابنتي!
— وهذا هو سبب خوفك.
— لماذا؟
اقتربت مني، وأمسكت بالدفتر الأسود.
— لأنكِ عندما كنتِ طفلة، كتبتِ اسمها بنفسك.
فتحت الدفتر بسرعة.
بدأت أقلب الصفحات.
أسماء.
تواريخ.
ملاحظات.
ثم وصلت إلى صفحة لم أرها من قبل.
كان في أعلاها:
«الأشخاص الذين لم يولدوا بعد.»
وتحتها أسماء قليلة.
ثلاثة فقط.
الأول:
سليم — وُلد.
الثاني:
نورا — وُلدت.
الثالث…
كان الاسم مطموسًا بالحبر.
مررت أصبعي فوقه.
— لماذا هذا الاسم ممسوح؟
قالت المرأة:
— لأنكِ طلبتِ محوه.
— أنا؟
— نعم.
— ومن هي؟
سكتت.
قلت بغضب:
— من هي؟!
نظرت إليّ، ثم قالت:
— ابنتك.
تراجعت خطوة.
— لكنني لم أنجب!
— أعرف.
— إذن كيف تكون ابنتي؟
— لأن الولادة ليست دائمًا بداية الإنسان.
شعرت بأن رأسي يدور.
— لا أفهم.
قالت:
— ستفهمين عندما تصلين إلى السنة التي كُتب فيها اسمها.
نظرت إلى الدفتر.
كان بجانب الاسم المطموس تاريخ واحد فقط:
2041.
شعرت بقلبي يخفق بعنف.
— هذا بعد خمسة عشر عامًا.
— نعم.
— وكم سيكون عمري؟
— خمسة وأربعين.
ثم أضافت:
— إن بقيتِ موجودة حتى ذلك الوقت.
لم أجب.
أغلقت الدفتر.
وفي اللحظة نفسها اهتز هاتفي.
رسالة جديدة.
من الرقم نفسه.
> «لا تثقي بالمرأة التي تقف بجوارك.»
رفعت عيني إليها.
كانت تنظر إلى هاتفي.
ثم ابتسمت.
لأول مرة…
شعرت بالخوف منها.
قلت:
— من أنتِ؟
قالت:
— شخص كان يجب أن يموت منذ سنوات.
ثم أضافت:
— لكن سليم أنقذني.
— سليم؟
— نعم.
— أين هو الآن؟
نظرت إلى الباب.
— يبحث عنكِ.
— لماذا؟
— لأنه يعرف ما سيحدث إذا تذكرتِ كل شيء.
وقبل أن أسألها عن أي شيء آخر، انطفأت الأنوار.
حلّ الظلام.
سمعت صوت خطوات في الممر.
خطوة.
ثم أخرى.
ثم توقفت.
جاء صوت رجل من خلف الباب:
— سُدرة…
عرفت الصوت.
سليم.
اقتربت من الباب.
قال:
— لا تفتحي.
نظرت إلى المرأة.
كانت شاحبة.
قالت:
— افتحي.
توقفت.
صوت سليم جاء مرة أخرى:
— سُدرة، اسمعيني جيدًا… المرأة التي معك ليست من عام 2026.
اتسعت عيناي.
نظرت إليها.
قالت بهدوء:
— لا تصدقيه.
ثم اقتربت مني وهمست:
— أنا من عام 2041.
تجمدت.
وفي اللحظة نفسها، وصلتني رسالة جديدة.
هذه المرة لم تكن من الرقم المجهول.
كان اسم المرسل ظاهرًا.
«ليان»
فتحتها.
كانت صورة.
طفلة صغيرة.
تقف أمام باب خشبي.
نفس الباب.
نفس الخدش.
نفس المكان.
وفي أسفل الصورة تاريخ:
16 سبتمبر 2041.
ثم رسالة:
> «أمي… لا تدعيه يفتح الباب.»
توقفت أنفاسي.
كتبت بسرعة:
«من هو؟»
ظهرت علامة الكتابة.
انتظرت.
ثانية.
ثانيتين.
ثم جاءت الإجابة:
> «سليم.»
رفعت رأسي.
كان سليم لا يزال خلف الباب.
والمرأة أمامي.
والطفلة في الصورة.
ثلاثة أشخاص…
وثلاثة أزمنة.
وفجأة سمعت صوتًا صغيرًا من خلفي.
التفتُّ.
كانت هناك طفلة تقف في نهاية الممر.
تمسك دمية قديمة.
وتنظر إليّ.
قلت:
— من أنتِ؟
ابتسمت.
ثم قالت بصوت يشبه صوتي تمامًا:
> «أنا ليان.»
توقفت للحظة.
ثم أضافت:
> «وأنا لم أولد بعد.»
يتبع…
![]()
