ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

حتى آخر العمر

سبتمبر 25, 2026
File 00000000912c81f4a2aab71a0c356d20

 

الكاتبه أمل سامح 

 

إلى الرجل الذي لم أعرف كيف أُخرجه من الغد…

 

كنتُ أحبكَ

بطريقةٍ لم أُخبركَ عنها.

 

لم أحبكَ فقط

حين كنتَ أمام عيني،

بل أحببتكَ في الأيام التي لم تأتِ بعد،

في البيوت التي لم ندخلها،

والطرق التي لم نمشِ فيها،

والسنوات التي لم نعشها معًا.

 

كنتُ، كلما أغمضتُ عيني،

أراكَ في الغد.

 

لا أعرف كيف فعلتُ ذلك،

لكنني كنتُ أضعكَ في كل شيء.

 

في صباحاتي القادمة،

في فنجان القهوة الذي كنتُ أتخيل أنني سأعدّه لك،

في صوتي وأنا أنادي اسمكَ من آخر البيت،

وفي صوتكَ وأنتَ تجيبني

بذلك الاعتياد الجميل

الذي لا يعرفه إلا اثنان

طال بهما العمر معًا.

 

كنتُ أتخيل أن يكون لنا بيت…

 

ليس مهمًا أن يكون كبيرًا،

يكفيني أن يكون فيه شيءٌ منك،

وشيءٌ مني،

وضجيجُ أيامنا الصغيرة.

 

كنتُ أتخيل معطفكَ مُلقى على المقعد،

ومفاتيحكَ فوق الطاولة،

وأنا أعاتبكَ لأنك تركتها في غير مكانها،

فتضحك…

 

وأغضب أكثر

لأنني أحب ضحكتكَ حين أكون غاضبة.

 

كنتُ أتخيلنا نختلف.

 

نعم،

حتى خصامنا كان له مكانٌ في أحلامي.

 

كنتُ أعرف أننا لسنا ملائكة،

وأن الحياة ستسرق منا بعض الهدوء،

وأنك ستغضب،

وسأغضب،

وقد يطول الصمت بيننا.

 

لكنني لم أتخيل الفراق.

 

كنتُ أرى آخر كل خصام

يدًا تمتد نحو الأخرى.

 

كنتُ أرى أحدنا يقول:

 

«كفى…»

 

ثم يجلس بجوار الآخر،

وكأن شيئًا لم يكن.

 

لم أخف من غضبكَ يومًا،

لأنني كنتُ أظن أنني سأبقى

حتى بعد أن يهدأ الغضب.

 

كنتُ أخاف فقط

من يومٍ لا تكون فيه أنت.

 

ولهذا…

 

حين كان المطر يهطل،

لم أكن أراه مطرًا.

 

كنتُ أراكَ تركض نحوي.

 

كنتُ أخلع خوفي،

وأركض معكَ تحت السماء،

نضحك بلا سبب،

نتبلل،

نتعب،

ثم نتوقف في منتصف الطريق

وننظر إلى بعضنا

كأن العالم كله

تأخر عن موعده

ولم يبقَ فيه سوانا.

 

كنتُ أتخيل أننا سنفعلها كثيرًا…

 

حتى نكبر.

 

حتى لا تعود أرجلنا قادرةً على الركض،

فنضحك على أجسادنا التي خانتنا،

ونمشي ببطء…

 

أنتَ تتكئ على يدي،

وأنا أتشبث بيدكَ.

 

وحين تتعب،

سأقول لك:

 

«تمهّل…»

 

وحين أتعب،

ستقول لي:

 

«أنا هنا.»

 

كنتُ أريد تلك الجملة تحديدًا.

 

أنا هنا.

 

لم أكن أريد منك كنوزًا،

ولا حياةً مثالية،

ولا أيامًا لا تعرف الحزن.

 

كنتُ أريد فقط

أن تكون موجودًا

حين تصبح الحياة ثقيلة.

 

كنتُ أريد أن أكبر معكَ،

لا أن أبقى جميلةً في عينيكَ.

 

كنتُ أريد أن تراني

حين تتغير ملامحي،

حين يسرق التعب شيئًا من وجهي،

حين يظهر أول خيطٍ أبيض في شعري،

وحين لا تعود ابتسامتي

تشبه ابتسامتي الأولى.

 

كنتُ أريد أن تنظر إليّ يومها

وتقول:

 

«ما زلتِ أنتِ.»

 

وكنتُ سأفعل الشيء نفسه.

 

كنتُ سأعرفكَ

حتى لو تغيّر صوتكَ،

حتى لو انحنى ظهرك،

حتى لو أثقل العمر خطواتكَ.

 

كنتُ سأعرف يدكَ

من بين ألف يد.

 

لأنني، منذ أحببتكَ،

لم أتخيل يدي

إلا وهي في يدكَ.

 

كنتُ حتى أتخيل شيخوختنا…

 

نفس المقعد،

نفس النافذة،

نفس الحكايات التي سنرويها للمرة المئة

ونضحك كأنها المرة الأولى.

 

سنختلف على من نسي شيئًا،

وننسى لماذا اختلفنا.

 

وسأسألك:

 

«أتذكر يوم ركضنا تحت المطر؟»

 

فتقول:

 

«وكأنكِ كنتِ طفلة.»

 

فأضحك وأقول:

 

«كنتُ طفلتكَ.»

 

ثم يسكت كل شيء.

 

وتبقى يدكَ في يدي.

 

هكذا…

 

كنتُ أريد أن تنتهي الحكاية.

 

لم أتخيل موتًا،

ولا غيابًا،

ولا طريقين مختلفين،

ولا امرأةً أخرى،

ولا صباحًا أستيقظ فيه

ولا أعرف أين أضع كل هذا الحب.

 

كنتُ أظن أن أصعب ما يمكن أن يحدث لنا

هو أن يسرقنا العمر من شبابنا.

 

لم أعرف أن العمر نفسه

قد يسرقنا من بعضنا.

 

ثم حدث ما لم أضع له احتمالًا واحدًا

في كل أحلامي.

 

افترقنا.

 

وفجأة…

 

لم يعد هناك بيتٌ تخيلته،

ولا مقعدان،

ولا مطر،

ولا شيبٌ كنتُ أنتظره في شعرك،

ولا يدان ترتجفان من كِبَر السن

وهما لا تزالان متمسكتين ببعضهما.

 

صار عليّ أن أتعلم

كيف أمحو شخصًا

من مستقبلٍ كامل.

 

وهل تعرف ما هو أقسى أنواع الفقد؟

 

أن تفقد إنسانًا

ثم تكتشف أنك لم تفقده وحده…

 

بل فقدتَ معه

كل النسخ التي صنعتها له في خيالك.

 

فقدتُ الرجل الذي كان سيجلس معي في البيت.

 

والرجل الذي كان سيركض معي تحت المطر.

 

والرجل الذي كان سيغضب مني

ثم يعود.

 

والرجل الذي كنتُ سأعتني به

حين يضعف.

 

والرجل الذي كنتُ أريد أن أضع رأسي على كتفه

حين أصبح أنا الضعيفة.

 

فقدتُ الرجل

الذي لم يعش معي شيئًا من هذا…

 

لكنني عشتُه معه

في قلبي.

 

وهذا ما لم تفهمه أنت.

 

أنني حين أحببتُكَ

لم أختركَ لأيامي الجميلة فقط.

 

اخترتُكَ للأيام التي لم أعرفها بعد.

 

اخترتُكَ للمرض،

والتعب،

والغضب،

والصلح،

والصباحات العادية،

والليالي الثقيلة،

ولأول شعرة بيضاء،

ولآخر خطوةٍ نستطيع أن نمشيها.

 

اخترتُكَ…

 

حتى آخر العمر.

 

ولهذا،

حين رحلتَ،

لم أعرف كيف أودعكَ.

 

لأنني لم أكن أودع رجلًا…

 

كنتُ أودع عمرًا كاملًا

كنتُ قد عشته في خيالي

قبل أن يبدأ.

 

والآن،

إن قرأتَ هذه الكلمات يومًا،

فلا تسألني:

 

«هل ما زلتِ تحبينني؟»

 

لأن السؤال أصغر من الحكاية.

 

اسأل نفسك فقط:

 

كيف استطاعت فتاةٌ واحدة

أن تتخيل معي كل هذا العمر…

 

ثم عاشت بعدك

وكأنها لم تكن تنتظرك

منذ البداية؟

 

وربما،

إن أوجعكَ شيءٌ في هذه القصيدة،

فليس لأنني أقول إنني أحببتكَ.

 

بل لأنك ستعرف للمرة الأولى…

 

أنني لم أكن أتخيل أنني سأحبكَ

فحسب.

 

كنتُ أتخيل أنني سأموت

وأنا أمسك يدكَ.

 

ثم أفقتُ…

 

فوجدتُ يدي وحدها.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *