ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

جناح مكسور

سبتمبر 25, 2026
IMG 20260925 WA0003

 

الكاتبة: هناء حسين

 

 

جلس وحده في آخر الطاولة المعدنية داخل المطبخ الضيق.

 

كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، والمدينة في الخارج لا تنام، لكن صخبها كان بعيدًا عنه، كأنه يحدث في عالمٍ آخر لا ينتمي إليه.

 

أمامه كوب شاي ساخن، يتصاعد منه البخار متعرجًا، ثم يتلاشى في سقف الغرفة الرطب.

 

خلع حذاء العمل بصعوبة، ومدّ ساقيه المتعبتين، وأسند رأسه إلى الحائط، وأغمض عينيه للحظة.

 

وفجأة… عاد طفلًا.

 

عاد إلى بيتهم القديم في القرية، حين كانت الشمس تميل للعصرية بهدوء، وتنسكب فوق الترعة بلونٍ ذهبي دافئ.

 

بدت القرية في ذاكرته كأنها نافذة صغيرة يدخل منها دفءٌ قديم إلى قلبه.

 

كانت الشجرة الكبيرة أمام البيت تهتز أوراقها مع النسيم، وأبوه يجلس تحتها في جلبابه الرمادي الواسع، وصوته منخفض مطمئن، كأن الدنيا كلها بخير ما دام موجودًا.

 

كان صوت أبيه في ذاكرته مصباحًا لم تستطع الغربة أن تطفئه.

 

كانت أمه تخرج من الباب حاملة كوب الشاي، تضعه أمامه بحنان صامت، ثم تقول:

 

— الشاي قبل ما يبرد يا حاج.

 

فيضحك نصف ضحكة، ويهز رأسه لها، كأن بينهما عمرًا كاملًا من الألفة لا يحتاج إلى الكلام.

 

أما هو وإخوته، فكانوا يركضون حول الشجرة، يصرخون ويتشاجرون على كرة قديمة، ثم يتصالحون بعد دقائق، كأن القلوب خُلقت كي تسامح سريعًا.

 

فتح عينيه فجأة.

 

الغرفة صامتة.

 

لا شجرة.

 

لا أصوات.

 

لا أحد.

 

فقط المكيف القديم يئنّ، وكوب الشاي الذي برد دون أن ينتبه.

 

تناول هاتفه، فلم يجد رسائل جديدة.

 

مرر إصبعه فوق صورة أبيه طويلًا، ثم تنهد.

 

تذكر يوم أخبرهم أنه سيسافر.

 

يومها كانت عيناه ممتلئتين بالأحلام، وكان يظن أن المستقبل مدينة بعيدة يمكن الوصول إليها بالطائرات فقط.

 

ترك جزءًا من قلبه تحت شجرة أبيه، ومضى يحمل الجزء الآخر إلى الغربة.

 

بكت أمه بصمت.

 

أما أبوه، فظل ساكتًا وقتًا طويلًا، ثم قال بصوت هادئ أخافه أكثر من الصراخ:

 

— الغربة يا ولدي ما بتديش حد ببلاش… كل لقمة فيها بتاخد من روحك حتة.

 

لكنه لم يسمع.

 

كان يريد المال.

 

يريد البيت الكبير.

 

يريد أن يعود يومًا محملًا بما يجعل الجميع فخورين به.

 

فسافر.

 

في البداية، كانت الأيام تُحتمل.

 

مكالمات قصيرة آخر الليل، وضحكات متقطعة عبر الهاتف، ووعود بالعودة القريبة.

 

ثم بدأت السنوات تتآكل.

 

كانت الغربة تمد يدًا طويلة كل ليلة، فتسرق من عمره يومًا جديدًا.

 

صار يعرف الشوارع الأجنبية أكثر من طرق قريته، ونسي شكل الحقول بعد المطر، ونسي حتى صوت أذان المغرب في بلدته.

 

وكلما حاول أن ينسى الطريق إلى البيت، كانت ذاكرته ترسمه أمام عينيه من جديد.

 

وفي كل مرة كان ينوي العودة، كانت الحياة تؤجله.

 

مرة بسبب المال.

 

ومرة بسبب العمل.

 

ومرة لأنه أقنع نفسه أن القادم أفضل.

 

حتى جاءه الاتصال.

 

رن الهاتف فجرًا.

 

وكان يعرف.

 

قبل أن يرد، كان يعرف.

 

جاءه صوت أخيه مرتجفًا، يحمل الخبر دون أن يحتاج إلى كثير من الكلمات.

 

أبوه مات.

 

ظل جالسًا على طرف السرير، والهاتف في يده، كأن الزمن توقف فجأة ورفض أن يتحرك.

 

حاول أن ينزل.

 

لكن الأوراق ناقصة.

 

والكفيل مسافر.

 

والإجراءات تحتاج وقتًا.

 

وأبوه… لم يكن يملك وقتًا.

 

دُفن قبل أن يراه.

 

انتهى العزاء، وهو ما يزال هناك.

 

في الغرفة نفسها.

 

أمام الكوب نفسه.

 

وفي الوحدة نفسها.

 

ومنذ تلك الليلة، بدأ شيء داخله يذبل ببطء.

 

صار يعود من العمل كالشبح.

 

لا يفتح الأنوار.

 

لا يتحدث مع أحد.

 

كان الحنين يجلس إلى جواره كل ليلة، صامتًا، لكنه أثقل من الكلام.

 

وفي ليلة ممطرة، جلس إلى الطاولة، وسحب دفترًا قديمًا.

 

بدأ يكتب.

 

كانت الكلمات تخرج منه كأنها نزيفٌ قديم وجد أخيرًا طريقه إلى السطح.

 

ارتجف صدره.

 

شعر بألم حاد يمتد تحت ضلوعه، لكنه أكمل.

 

وخارج النافذة، ظل المطر يطرق الزجاج، كأنه رسول يحمل إليه سلامًا متأخرًا من قريته.

 

ثم سقط القلم من يده.

 

مال جسده ببطء إلى الأرض، وارتطم كتفه بالبلاط البارد دون مقاومة.

 

وظلت الوحدة تلتف حوله كليل طويل لا يعرف طريقًا إلى الفجر.

 

مر يوم.

 

ثم يوم آخر.

 

ثم ثالث.

 

إلى أن بدأت الرائحة تتسلل أسفل الباب.

 

جاء صاحب الشقة غاضبًا، يطرق الباب بعنف.

 

وحين لم يجبه أحد، كسره.

 

دخل.

 

فتوقف مكانه.

 

كان الرجل مستلقيًا قرب الطاولة، وعيناه نصف مفتوحتين نحو السقف، كأنه ما يزال ينظر إلى شيء بعيد لا يراه سواه.

 

وبجواره…

 

كوب شاي بارد.

 

ودفتر مفتوح على آخر صفحة.

 

وفي تلك اللحظة، بدت الغرفة كأنها احتفظت بكل ما عجز هو عن قوله.

 

كان قد خرج من قريته بجناحين من الأحلام، لكن الغربة أخذت منه جناحًا كل عام، حتى وجد نفسه في النهاية عاجزًا عن العودة.

 

وانتهت الغربة ما بدأه وحيدًا.

 

من كتاب: سلسلة اليوم الحر

لدار قهوة الأدباء

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *